كانت ثورة الفاتح من سبتمبر امتدادا امينا لثورة 23 يوليو، ونتيجة طبيعية لحركة المد القومي وإحياء أمجاد الأمة، ولا عجب إن وجدنا قائدها يصدر في كل توجهاته عن خلفية ثورية تتصل بروح الأمة ومستقبلها ، وكانت الوحدة العربية شغله الشاغل، لنها أجل العوامل التي من شأنها أن تنهض بالأمة وتخطو بها قدما على طريق المنجزات الضخمة وتحقيق الأهداف، فكانت في البداية الجمهورية العربية الإسلامية بين ليبيا وتونس، يوم بثت إذاعتا طرابلس وتوني بيان الوحدة، : هنا طرابلس، غذاعة الجمهورية العربية الإسلامية،.. إذاعة الجمهورية العربية الإسلامية من تونس... يومها صفق العرب، وهتفت قلوبهم لمعمر وبورقيبة، لأن ذلك يمثل استمراراللروح الوحدوية المتوثبة في الأمة، لا سيما بعد انفصام عرى الوحدة بين مصر وسورية. ولكن القوى المعادية للأمة وطموحاتها، التي ترتبط بالاستعمار ارتباطا وثيقا، أبت إلا أن تظل على نهج الخيانة، فبادرت في اليوم التالي للضغط على بورقيبة واضطرته إلى التحلل من الوحدة، .. فاستقال القذافي استنكارا لما جرى، فهبت الجماهير تطالبه بالعدول عن ذلك، وسرنا يومها في شوارع طرابلس، أمسكت يومها مكبر الصوت لفترة، ومما قلته شعرا غي الجماهير ذلك اليوم: أحقا يا معمر ما يقال أحقا أن قائدنا استقال ومن للعرب بعدك والنضال لعمرك يا أخي هذا محال ألم تسمع هتافات الحشود ألوف من ورائل كالأسود تنادي يا معمر كي تعود لعمرك يا أخي هذا محال وعاد القذافي دون ان يحبط، وواصل دعوته وعروضه على الدول العربية، فلم يحرز من التقدم ما تنتفع به الأمة، ولا ما يتناسب مع تطلعات الجماهير العربية، ولا ما يرضي نفسه، فادرك أن ألخلل في جسد الأمة وليس في زعمائها وحسب، فراح يبحث عن السبل التي من شلأنها أن تحرك الجماهير على نحو عقائدي ، وتوصل إلى بعض الوسائل مما يمكن ان يطبقه في ليبيا وحدها، ذلك ان الأنظمة العربية ناصبته العداء ظاهرا ومستترا، فألغى القوانين، ودعا الجماهير لأن تمارس السلطة بنفسها إلى غير ذلك من التوجهات التي من شأنها أن تفضي إلى تغيير جذري، ومع ذلك ظل يحاول مشروعه الوحدوي، فالتفت إلى إفريقية لا سيما بعد أن تنكر له العرب. وفي عام 86 قلت قصيدة في حال الأمة منها، وأعني القذافي في ثالث الأبيات: قبحت عاقبة وقبح الخلف لو كان يعرف لم ينجبهم السلف تمزقوا إربا عشرين من عرب ومثلهم عجم والكل مختلف إن أنجبت أمهم يوما أخا شرف لم ينصفوه وفي وجهه وقفوا فعلا لقد خذل العرب القذافي، وخذله من ارتزقوا منه، بل خذلته الجماهير التي استسلمت للقيم الاستهلاكية، تلك الجماهير التي كانت تتحدث من قبل عن القيم فصار حديثها عن البطاطا والطبيخ والحاجات الحلوة. وقد واكب الفلسطينيون حركة الثورة في ليبيا وناصروها على تفاوت، والسبب في ذلك أن هذه الثورة كانت تهدف وما تزال، إلى تحرير الإنسان العربي، وحشد طاقاته، وتحيد صفوفه، ولأن القضية الفلسطينية هي سبب وجود كثير من الزعماء العرب في المواقع التي احتلوها، وهي الداعية التي تصيح ليل نهار في فضاء الأمة أن أفيقي من سباتك، فقد فاتك الركب.. وما زالت قضية فلسطين تشغل بال القذافي وتؤرقه، على نحو ما يتجلى في مواقف ليبيا الأخيرة في المحافل الدولية، ومشروع الحل الذي طرحه القذافي حول فكرة الدولة الواحدة ما زال قائما ينتظر الحراك على طريق التنفيذ لولا أن جهود العرب المبعثرة تغري المحتل بالتمادي في بغيه، والتحافات الجديدة على الساحة ترمي إلى ما يوافق الرؤية الأمريكية وهي من طرح القذافي على تناقض كبير وكذلك هي من رؤية الجماهير الفلسطينية ومطالبها العادلة. باختصار، لم يجد القذاغي سندا في الأمة ولا في قادتها، خذلوه، فليس عجيبا أن يفر منهم إلى جهنم .