الصفحة الرئيسيةالكتاب الاخضرشروحات الكتابالاعمال الادبيةنشاطات الحركةالأرشيفاتصل بنا

اللجان الثورية الفلسطينية » الزاوية الادبية » النقد الساخر في قصص معمر القذافي

  القائمة الرئيسية  
   
 
  التقويم  
 

«    فبراير 2012    »
 
1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11
12
13
14
15
16
17
18
19
20
21
22
23
24
25
26
27
28
29
 

 
 
  ارشيف الموقع  
 

 
 
  الأكثر زيارة  
  » المقاومة الليبية الباسلة رفاق الراحل معمر القذافي يتجهو ...
» الشهيد القائد معمر القذافي ثورة مستمرة وشهيدا لتستمر ال ...
» لكي لا ننسى
» الثائرون على نهج الشهيد القذافي يسيطرون بالكامل على مدي ...
» بيان حركة اللجان الثورية الفلسطينية بمناسبة ميلاد القائ ...
» خشية سيد قطب من 'إسلام أمريكاني': الأخوان إذ يتحولون ...
» عندما تصبح خيانة الأوطان وجهة نظر
» القذافي ولد في جهنم ومات في الجنة الخضراء
» حركة اللجان الثورية الفلسطينية تدعو لتأسيس حركة شعبية ف ...
» ما يسمى بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين اتحاد من اجل ا ...
 
 

النقد الساخر في قصص معمر القذافي  
الزاوية الادبية
 
أ.د. يحيى جبر، أستاذ علم اللغة بجامعة النجاح الوطنية
مؤسس مجمع اللغة العربية الفلسطيني ورئيسه سابقا
رئيس الجمعية العلمية الفلسطينية ومؤسسها

مـقـدمـة
إن الأدب الجيد مرآة للحياة اليومية بحلوها ومرّها، إيجابياتها وسلبياتها، والحياة لن تخلو ـ بحال من الأحوال ـ من السلبيات والمآخذ، وهنا يأتي دور النقد الذي يقوّم ما اعوجّ من شؤون هذه الحياة، لأن الطبيعة البشرية تتجنب ما يوجب النقد وتميل إلى الانسجام مع الذوق العام والتماهي مع الجماعة المحيطة، ومن هذا المنطلق كان النقد البنّاء، أسلوبا فعالا جدا في تعديل السلوك غير المرغوب فيه.

أما السخرية فهي أقسى عقوبة أدبية يمكن أن تقع على الفرد أو الجماعة الخارجة على العرف والعقل والعدل، ولذلك نجد أن الأفراد يتجنبون السلوك الذي قد يعرضهم للسخرية.وفي القسم الأول من هذا البحث، سنتناول النقد الساخر في قصص القذافي، ونقوم بتقسيمه إلى نقد اجتماعي، ونقد سياسي، ونقد اقتصادي، ونقد ديني، مع التمثيل لكل من أشكال النقد هذه. كما سنبحث في القسم الثاني؛ الأساليب التي استخدمها القذافي من أجل إيصال نظرته الساخرة لما لا يروقه من سلوكات وأفكار.
ونود التنبيه إلى أننا استعملنا مصطلح "قصة" في التعبير عن هذه النصوص الأدبية مجازا؛ لأن للقصة مقومات وشكلا متعارفا عليه، لا يتوافر في كثير من هذه الأعمال الأدبية، ولكننا لسنا بصدد مناقشة هذه النصوص ومحاكمتها شكلا، بل نهدف في هذا البحث إلى مناقشة السخرية فيها أيا كان الجنس الأدبي الذي تنتمي إليه. ولعل النواحي الشكلية تكون مدار بحث آخر.
مدخل لغوي ـ تاريخي
لفظة السخرية مشتقة من مادة ( س خ ر ) وأصل التسخير: التذليل، جاء في اللسان: سخرته: أي قهرته وذللته. وسخره تسخيراً: كلفه عملا بلا أجرة، وتسخرت دابة لفلان: أي ركبتها بغير أجر. وأصل المادة في المعجم تدور بعامة حول اللين من الناحية الصوتية، سواء أكان الحرفان (س، خ ) متواليين، أو منفصلين، وهكذا يتبين لنا أن الحرفين (س خ ) يوحيان باللين والتذليل والخفاء، وعدم الإبانة بطريقة مباشرة. ومن المفردات المرادفة لهذه الكلمة التهكم والتندر والاستهزاء، مع فروق بسيطة في دلالة كل منها، يمكن الرجوع إلى المعجم لمعرفة دلالاتها الدقيقة، فليس هذا مقام مناقشتها.
ومهما يكن من أمر، فقد اخترنا كلمة "سخرية" عنوانا لبحثنا، لأنها أقرب الكلمات دلالة على محوره؛ إذ ورد معناها في اللغة مشتملا على التذليل، والساخر يحاول أن يذلّ خصمه ويهينه، وفي هذا ما فيه من تشف عميق، وإراحة لنفسه المتعبة المكدودة، وكذلك لاشتمال الكلمة على السين والخاء، وهما حرفان يعبران عن اللين والطراوة والخبث والدهاء، ففي السخرية لين الأفاعي. والساخر هادئ ليّن سلس، ولكنه يقتل خصمه بسخريته.
أما إذا أردنا التتبع التاريخي لهذه الظاهرة، فإننا ندرك أنه ليس هناك تاريخ أو شهادة ميلاد للنص الساخر؛ فعندما ارتفع السوط الأول في وجه الإنسان (السوط الاجتماعي أو السياسي, أو الاقتصادي أو الديني ) ولدت السخرية, ومع ذلك، فلا بأس من ذكر بعض أمثلة الأدب الساخر القديم والحديث شعرا ونثرا.
وأول ما يخطر ببالنا من الأدب القديم هو كتاب البخلاء للجاحظ وكتاب كليلة ودمنة الذي ترجمه ابن المقفّع ورسالة الغفران للمعري. ومن الشعراء نذكر الحطيئة الذي كان يهجو نفسه حين لا يجد من يتجرّأ على هجائه وغيرهم كثير.
أما في الأدب الحديث فمن أعلام الأدب الساخر إميل حبيبي في روايته "المتشائل"، ولو لم يكن في أدبنا الحديث غيرها لكفتنا، ومن الكتابات النثرية التي احتفلت بالسخرية ووظفتها بشكل فني رائع مجموعة توفيق زياد القصصية التي تحمل عنوان " حال الدنيا ". ولعل من أهم ما يميز هذه المجموعة هو حس الفكاهة والدعابة والسخرية التي تتبدى بمجرد قراءة عناوين قصصه مثل: "كيف أصبح الحمار شيخا للعسكر" و "عن البشوات والبكوات والحمير".
أما الشعراء فنذكر منهم على سبيل المثال إبراهيم طوقان وأحمد مطر وعبد العزيز المقالح. وعن هذا الأسلوب الأدبي تقول الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي في موسوعتها (الأدب الفلسطيني المعاصر): "هذه الموهبة النادرة التي تمتزج فيها الملهاة بالمأساة وتلتحم النظرة الساخرة فيها بالالتزام العميق بالقضية التي يتناولها العمل الأدبي، لم تتكرر في الأدب الفلسطيني على أي مستوى ذي بال إلا في الأعمال القصصية التي كتبها إميل حبيبي الذي يمتلك ناصية الكوميديا المأساوية " (1)
على الرغم من أن هذا الرأي بحاجة إلى مراجعة وتدقيق حيث تعود الشاعرة نفسها في موطنين من مقدمتها لتشير إلى شعراء لم تخلُ أشعارهم من سخرية. الموطن الأول حين تناولت توفيق صايغ، ففيه كتبت أن صايغ " آثر التحدث بأسلوب ساخر مليء بالظرف والتلميحات الفنية بالمعاني. .. " (2) والموطن الثاني حين أتت على الشاعر مريد البرغوثي و زكريا محمد، فالثاني " فاق الآخرين جميعهم بالتخلي نهائياً عن الموقف البطولي – أي موقف الشاعر البطل المحرر، حامل المسؤوليات الكبرى -، واتخذ بدلاً من ذلك صوتاً جديداً هو صوت الشاعر الساخر الناقد للذات " (3) والأول – أي مريد – كان " يعبر أحياناً تعبيراً مأساوياً هادئاً ويعبر أحياناً أخرى بلهجة ساخرة بارعة ومتميزة عن سخطه على النظم السياسية الداخلية والخارجية"(4).
و إذا كان الفرنسيون يتباهون بأن شاعرهم الكبير فيكتور هيجو قد ترك لهم أربعة ألاف بيت في الهجاء فإن شاعرنا الكبير بشار بن برد ترك لنا اثني عشر ألف بيت في الهجاء المقذع والسخرية المرة.
وخلاصة القول أن هناك كثيرا ممن كتبوا في مجال الأدب الساخر، ولكن إنما نريد هنا، أن نعلق سراجاً يضيء بالقدر الذي يكفي لنبصر بداية الطريق، طريق التغيير، لأن الذي يولد الثورات ليس الظلم، بل الإحساس بالظلم.
مجالات السخرية
فيما يلي سنقوم بتصنيف مجالات السخرية التي عبر عنها القذافي في قصصه، مع ضرورة التنويه إلى أن هذا التقسيم كان من أجل منهجية الدراسة ودقة التحليل.وكما سنرى، فإن هذه الأقسام تتمازج وتختلط في العبارة الواحدة بل أحيانا في الكلمة الواحدة ؛ حيث يمكن تحليل المفردة والوصول إلى دلالات واسعة توحي بها؛ سياسية، اجتماعية. ...الخ. وهذا أمر طبيعي؛ لأن مجالات الحياة متقاطعة ومتمازجة لا يمكن فصل المواقف والقضايا السياسية عن الاجتماعية عن الاقتصادية....... الخ.
1. السخرية السياسية
من المسلم به أنه كلما زادت مساحة الحرية قلت مساحة السخرية؛ لأنه وكما قلنا في بدابة البحث، السخرية طريقة غير مباشرة للتعبير عن الرأي، وشكاية الظلم، بل والانتقام من الخصم. إن السخرية ليست تنكيتاً ساذجاً على مظاهر الأشياء، ولكنها نوع خاص من التحليل العميق.
و" في العالم العربي تختلط الأمور وتضيع الحقائق أو هكذا يخيل إليك، يأتي التطرف في لحظة تحتاج فيها إلى الاعتدال، ويأتي الخيال ليحتل مساحة الواقع الراهن في حين يتراجع الواقع الراهن ونحن بأمس الحاجة إليه. وفي العالم العربي يسحق الإنسان أيضا ويقتل وتنتهك الحريات وتسلم أوطان بكاملها ويبقى الفرد وتبقى العروش والذي يعرف يشقى وهنا تكمن مصيبة المثقف الذي يحاول أن يغير العالم لكنه يصاب بالصدمة فتحتل الفجيعة مساحة القلب كله" (5)
والقذافي كاتب ساخر إلى درجة جارحة، ولكنه يجرح ليداوي، يؤلم ليشفي، فهو صاحب رؤية وصاحب رسالة وصاحب قضية، وكأنه أخذ الحكمة من قول الشاعر:
إذا ما الجرح رُمّ على فساد تبيّن فيه إهمال الطبيب
فأخذ على عاتقه تنظيف الجرح، ولكنه جرح واسع عميق؛ يمتدّ على مساحة الوطن العربي بل والإسلامي، ويضرب جذوره بعيدا في أعماق التاريخ. والقذافي يعي هذه الحقيقة جيدا فهو يقول في "الفرار إلى جهنم": ولا أحمل شهادة دكتوراة. فلا أحب الطبيب لأنهم يسمونه دكتورا!! ولهذا لم يتمكن من تطعيمي ضدّ الحساسية،فأنا حسّاس جدا،خلافا لأهل المدينة الذين تم تطعيمهم منذ زمان بعيد، وعلى جرعات تاريخية من أيام الرومان إلى الترك وأخيرا "الميلكان" (6) فجاءت رواياته كلها حافلة بالسخرية اللاذعة، التي كأنها بهارات هندية لا غنى عنها لتطييب نكهة الطعام وفتح الشهية، شهية التغيير والتطوير. وفي هذا المقام يؤكد سارتر على أن "مسؤولية الكاتب ليست شيئا سرمديا أو مجردا، إنها مسؤولية مباشرة ومحددة، إذ يجب أن يوجه اهتمامه الفكري دون تقاعس، يوما بيوم، لمشكلة الغايةEnd والوسائل The means، وبمعنى آخر، لمشكلة العلاقة بين الأخلاق Ethics والسياسة Politics ". (7)
ويتفق القذافي في فهمه لمصطلح الالتزام مع ما ذهب إليه سارتر في أن " التزام الكاتب يرمي إلى إيصال ما لا يمكن إيصاله (الكينونة في العالم المعيش) مستغلا القدرة التي تنطوي عليها اللغة المشتركة الشائعة. ....، بين العالم والكينونة في العالم، على اعتبار أن هذا التوتر هو معنى عمله، والكاتب يواجه في مهنته بالذات، ويصارع، التناقض بين الخصوصية والعام" (8)
وانطلاقا من هذا الفهم؛ فقد التزم القذافي بمعالجة قضايا أمته التزاما كاملا حتى لكأنه يهدم مقولة "الفن للفن"، فلنقرأ هذه الفقرة من قصة عشبة الخلعة والشجرة الملعونة: "نحن دعاة سلام ومحبة. . وشعارنا (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) فعلى الإسرائيليين منا السلام والرحمة والبركة. . وكذلك الميركان. . وحلف شمال الأطلسي وحلف داود. وعليهم أن يردوا علينا بنفس التحية أو بأحسن منها فننتظر كل يوم من الإسرائيليين وحلفائهم أن يقولوا: السلام على الرابطة وتاجوراء ورأس لانوف والقدس وبغداد. " (9)
في هذه الفقرة يعالج الكاتب قضية مهمة، ألا وهي التباهي "بالمسالمة" وعدم التمييز بين السلام والاستسلام. ومحاولة خداع النفس والآخرين والتظاهر بالميل إلى السلام، والحقيقة أنها هروب من تحمل تبعات الحرب وآلامها، وانهزام في ساحة المواجهة الحقيقية، وفيما يمعن العدو في جرائمه نجلس مكتوفي الأيدي، مكممي الأفواه، ننتظر منه أن "يحن" علينا ويقدم لنا التنازلات على طبق من ذهب.
ويمعن القذافي في سخريته، وذلك من خلال عقد مقارنة بين حالنا وحال غيرنا (الأعداء)، إذ يقول: "نحن إذا سعداء. . لقد تخلصنا من كل شيء. . مساكين الذين ليسوا مثلنا يدافعون عن أوطانهم بأرواحهم وينزفون دما من أجلها. . ويتصببون عرقا من أجل الإنتاج ويحفرون الأرض بأظفارهم. . ويزرعونها شجرا وفوما وقثاء. مساكين الإسرائيليون الذين يعيشون وأصابعهم على الزناد ليحتفظوا باحتلال فلسطين." (10) وأي سخرية أبلغ من تلك التي تجعلك تضحك من ذاتك في الوقت الذي يكون الأجدر بك أن تبكي عليها؟!!!
وفي قصة "الموت" يتعرض الكاتب بطريقة غير مباشرة لبعض القضايا المهمة في كسب الحرب ومنها الاعتماد على الذات وعدم انتظار المساعدة من الآخرين، سيما من هم في المعسكر المقابل، حيث نقرأ: "وجدارة الموت بالنصر تأتي من كونه غير منحاز ولا يستعين بأحد، فذلك نقص والموت غير ناقص. وتلك عمالة والموت يناور ويتلون. . ولكن، لا يمكن أن يكون عميلا. فلو اعتمد على أي حليف آخر، لأصبح رهينة، والرهينة ليست حرة، بل هي دمية. . والدمية يلقى بها في سلة المهملات بعد انقضاء الغرض من اللعب بها." (11)
وهكذا نرى أن التحريض يصل ذروته عندما يتخذ شكل الاتهام والتقريع للمتخاذلين بأكثر الأساليب حدة واحتقارا؛ بأسلوب الاستهزاء والسخرية. علّ دماء النخوة والعزة والكرامة تتحرك في عروقهم من جديد. فالكاتب هنا يسخر من الذين ينتظرون أن تمطر عليهم السماء ذهبا وفضة، بل وجنودا وأسلحة، وينتظرون النصر من الله دون أن ينصروا الله، أو يأخذوا بالأسباب.
ويتعرض الكاتب لقضية مصادرة الحريات العامة إلى درجة تصل إلى الحيلولة بين الشخص وذاته مما يجعل المواطن يفضل الفرار إلى "جهنم" خلاصا من هذا "الجحيم". نقرأ في قصة "الفرار إلى جهنم" ما يلي:
وكانت أجمل ليلتين في حياتي تقريبا هما اللتان قضيتهما في قلب جهنم بنفسي فقط. . إن ذلك أفضل عندي ألف مرة من معيشتي معكم. . انتم تطاردونني، وتحرمونني من الراحة مع نفسي، فاضطررت إلى الهروب لجهنم. . إن الطريق إلى جهنم مفروشة بالبساط الطبيعي على امتداد الأفق، وأنا أشق طريقي نحوها بفرح وغبطة. . وبعد انحسار البساط وجدتها مفروشة بالرمل الناعم. . وصادفتني أسراب من الطيور البرية من نفس الأنواع التي تعرفونها، بل وجدت حتى بعض الحيوانات المستأنسة ترتع وتفلي!! ولكني فوجئت بانحدارات شديدة أمامي، وأرض منخفضة حتى وقفت بتردد، وإذا بجهنم تطل من الأفق. . ليست حمراء كالنار. . وليست ملتهبة كالجمر. . وقفت ـ لا خوفا من التقدم نحوها، فأنا أحبها وأرغب في وصالها، فهي الملاذ عندما تطاردونني في مدينتكم المثلثة. ." (12)
ونلاحظ في هذه الفقرة أن الطيور والحيوانات سبقت الإنسان إلى "الفرار إلى جهنم" إلى انتزاع الحقوق والحريات، إلى العيش كما تريد. وليس بجديد أن يتعلم الإنسان من الحيوان، قد حدث ذلك منذ فجر التاريخ حيث تعلم ابن آدم كيف يدفن أخيه من الغراب. فالأدب الساخر يعالج النفس الإنسانية من داء الصمت والخوف والتردد في التعبير والتصريح وإثارة الأسئلة، حتى لكأنه آخر ملاذات الكائن عند تعرض وجوده للخطر. يقول الشاعر:
لا يلام الذئب في عدوانه إن يكن الراعي عدو الغنم
ويتعرض الكاتب لهذا المعنى في قصة "الفرار إلى جهنم" حيث يقول:"وفي نفس الوقت إذا لبست هذه الخوذة الصولجانية السحرية، تستطيع النوم بكل كسل، حتى ولو رأيت الذئب يفترس غنمك أمام عينيك المفتوحتين، يمكنكم إذا النوم وعيونكم مفتوحة عدة سنوات حتى ولو كنتم بين أكوام الكناسة والأوساخ، لقد سمعت من صوت العرب أنكم محرومون من هذه الإمكانية الخلاقة، وقرأت عن الخوذة الفولاذية. . عفوا. . الصولجانية السحرية. " (13)
ففي هذه الفقرة ينتقد الكاتب أولياء الأمر الذين لا يحرصون على مصلحة رعيتهم ولا يبالون بمصيرهم، بل لا يعبئون بواقعهم هم ذاتهم، ولا يسعون لتحسين مستواهم.
ونختتم هذا المحور بمقولة شوقي بغدادي: "السخرية هي صمام الأمان الذي يمنع طنجرة الضغط التي أحملها فوق كتفي من الانفجار! هي وسيلتي كإنسان ضعيف للتوازن في هذا العالم، هي فن (الخيمياء) الذي يحول معادن الحياة اليومية الخسيسة إلى معادن نفيسة! بالسخرية يتحول الألم إلى ضوء العجز إلى أفكار" (14)
2. السخرية الاجتماعية
تعد السخرية عقابا اجتماعيا، بل ربما كان من أقسى العقوبات الاجتماعية التي يوقعها المجتمع على من يخالف نهجه؛ ولذلك يخشى الناس التعرض لمواقف تجعلهم عرضة للسخرية الاجتماعية(15).
ومن خلال قراءة قصص القذافي، نشعر بعلاقة عداء تربطه بالمدينة وفي المقابل نلمس علاقة حب وولاء للقرية وأهلها، ويبدأ الكاتب نقده للمدينة وقيمها، بنقده للهوية التي تضفيها المدينة على ساكنيها؛ فهي تجردهم من صفتهم الإنسانية، وتخلع عليهم بدلا منها رقما مجردا، مثلهم مثل أي جماد آخر. نقرأ في قصة المدينة: "وتصبح الحيثية رقما فحسب؛ فلا يقال فلان ابن فلان..من قبيلة الفلانيين... بل يقال: رقم كذا، ولا يخاطب سكان المدينة بعضهم بعضا بالحيثية الاجتماعية والآدمية، بل بالرقم. . أنت الذي تسكن في الشقة رقم كذا، في الطابق رقم كذا. . صاحب الهاتف رقم كذا.. والسيارة رقم كذا. . الخ. ."(16).
إذاً؛ كيف يمكن لك أن تعيش في بيئة تجردك من مقومات الإنسانية وتمنحك رمزا رقميا ضمن سلسلة أرقام غير منتهية؟!!! وحتى إن وجدت علاقات اجتماعية في المدينة فهي مزورة كاذبة؛ لأنها إما من أجل تحقيق مصلحة خاصة، أو من أجل التسلية وتمضية الوقت بطريقة تتماشى مع تقاليد المدينة. وفي قصة المدينة نقرأ النص التالي: "إذ أن حياة أهل الطفل ـ لأنهم من سكان المدينة ـ تفرض عليهم التخلص من أكبادهم والتحايل على أولادهم. . فهم لكي يقاوموا حياة المدينة الكابوس، يبحثون ويخلقون وينفقون عن وعلى مشاغل لا تسمن ولا تغني من جوع. . مناسبات مزورة. . سهرات مصطنعة. . صداقات كاذبة. ." (17)
ويفصل الكاتب في ذكر أمثلة لهذه "الحيل" التي يلجأ إليها سكان المدينة لتحقيق أهدافهم، ويهزأ بهم وبعقولهم وأمزجتهم التي تستسيغ مثل هذه التفاهات في قوله: "قد تجد الآلاف المؤلفة تتفرج على عراك بين ديكين!! ناهيك عن الملايين أحيانا وهي تتابع اثنين وعشرين فردا لا غير في حركات لا معنى لها وراء كيس صغير في حجم البطيخة مملوء بالهواء العاديّ. . نفس الحشود تقريبا تحضر لمجرد الحضور تقليدا مدينيا تافها أمام شخص واحد فقط يردد كالببغاء أمامهم بأسلوب سامخ وغير مسموع أحيانا، استنطاقات ملوية ومصحوبة بضجيج آلي، أغلب الحاضرين لا يميزون شيئا. . وقد يصفق مخمور أو مخبول فيصفق كل الجالسين غير الفاهمين تعبيرا منهم بأنهم منسجمون وهو غير صحيح.(18)
كما يستهجن الكاتب أن تساوي المدينة بين الإنسان ـ الذي كرّمه الله تعالى وفضله تفضيلا ـ بالحيوان الأعجم الذي سخره الله تعالى لخدمة الإنسان، حيث نقرأ في القصة ذاتها:"وفي شوارع المدينة يتساوى الآدميون والقطط. . في سوق المرور والسابلة. . فعندما تسمع صوت موقفات سيارة، تمسك فجأة، فتقول تلقائيا: إنه إنسان أو حيوان، لأن هذا يحصل عندما يعبر أمامك واحد منهما. . وتمسك سيارتك بنفس الوضع، خوفا من دهس أي واحد منهما. . وحتى شرطي المرور ينبهك كتابة أو شفاها من حوادث تقع نتيجة عبور إنسان. . أو قط في أحد شوارع المدينة" (19).
وإذا كان الإنسان في المدينة يتساوى مع الحيوان، فإن الجماد يفضُل هذا الإنسان الذي طغت على إنسانيته القيم المادية، لنقرأ الفقرة التالية: "في المدينة يحترمك الحائط أكثر من البشر، قد تستند إلى الحائط. . والحائط يرشدك إلى مكانك عندما تعلق عليه تعليمات وإرشادات وإعلانات يصعب جدا على إنسان ساكن في المدينة، أو لافٍ على المدينة أن يعطيها لمن يسأل عنها وهو في حاجة إليها. . إذا سألت إنسانا في المدينة عن مثل هذه الأشياء، يقول لك: آسف لا وقت لديّ. . متأسف مستعجل. . عفوا. . فاتني القطار. . الحافلة. . السيارة. . الخ. ويقول لك: عليك وعلى الحائط، فالحائط فقط واقف في المدينة. ولكن الناس هي التي لا تستطيع أن تقف مع الحائط." (20).
ومن يحاول التمرد على هذه القيم (المدينية) فإنه يلاقي العقاب الشديد ولا يجد من يدافع عنه، فضلا عن شكره، ويروي الكاتب حادثة دالة ويقول: "إن موظفا فُصل من عمله لأنه خرج من مكتبه وأسعف مصابا في حادث تصادم في شارع من شوارع المدينة، فصل بتهمة ترك العمل والتدخل في اختصاص غيره الذين هم الشرطة والإسعاف، وكل تلك المنظمات المدينية لا تشكرك إذا قمت مقامها متطوعا مساعدا. . بل تتحسس منك وتغار؛ لأنك تنافسها فيما هو مبرر عيشها في المدينة." (21).
ويصل التناقض مداه، وتكون المفارقة صارخة في المدينة التي تدعي الحضارة والرفق بالحيوان، فيما هي تمارس عكس ما تدّعي تماما، ودون مبرر. يقول القذافي: "فتعذيب الحيوانات في السباقات المنهكة لها. . وتسليطها على بعضها بعضا استغلالا لطبيعتها البهيمية العمياء. . وتعذيب البشر كذلك وإيلامهم والتضحك عليهم، والمراهنة فوقهم هي وسائل للترفيه الكاذب لسكان المدينة. وإن القتال بين المتصارعين والمتلاكمين لا مبرر له. . فليس ثمة عداوة بعد التحقيق توجد بينهما. . لكنه هو المطلوب. . مدينيا وعصريا. !! (22).
وينتقد الكاتب مساكن المدينة التي يتربى فيها الأطفال وتؤثر بشكل حاد في تكوين شخصياتهم وصقلها، حيث يقول: "أما أطفال المدينة فإنهم أتعس من كبارها. ... فهم من ظلمات إلى ظلمات. . من ظلمات ثلاث إلى الرابعة. ... فمنازل المدينة ليست بيوتا بل هي جحور وكهوف محاطة بتيارات متعاكسة من حركة الشوارع وزقاق المدينة. ... والناس فيها تماما مثل القواقع المحتمية بأصدافها بسبب ضغط تيارات البحر وأمواجه" (23)
وفي المقابل، فإنه يتأمل أجواء القرية الهادئة النظيفة الطيبة، ويدعو إلى التأمل في خلق الله عز وجل هناك؛ في الأفق المفتوح، والفضاء الرحب حيث يقول في قصة القرية: "اخرجوا من قبور الأحياء إلى ملكوت الله الواسع المتألق الرائع. . حيث تشاهدون الثريا الطبيعية. . وتحتقرون الثريا الصناعية المصنوعة من الرمل، والمشتراة من السوق. . والقابلة للكسر والتلف في أي لحظة، والمتسخة بالذباب والعنكبوت في جحور المدينة المسماة شققا ومنازل. . انظروا في الريف المصابيح الربانية المعلقة في السماء وليس في سقف قبر متسخ داخل المدينة.(24).
وهكذا نرى أن معمر القذافي ليس كاتباً رومانسياً، إنه كاتب واقعي وغاضب وناقد للأحوال الاجتماعية التقليدية وثائر عليها. ومن الواضح أن الكاتب يعتمد الأسلوب الساخر في الخطاب الأدبي، هذا الأسلوب الذي يشير إليه غالب هلسا. ..فيقول:" ولا بد لنا هنا من الحديث عن نوعين من الفكاهة: الغني والعادي،الفكاهة في مستوياتها الدنيا هي حس بالمفارقة اللفظية أو المفارقة في الموقف، وهي في مستوياتها الراقية انبثاق تلقائي من داخل الموقف أو خلال وضعه بجوار موقف آخر، بكلمة أخرى إنها ذلك النفاذ العميق التلقائي المبهج، أو الوجه الخفي من الموقف، وهي بهذا إنتاج عملية جدل بين السطح والعمق." (25)
3. السخرية الاقتصادية
السخرية من أعرق أسلحة البشر و ألطفها فهي سلاح الفقير على الغني, سلاح الضعيف على القوي, سلاح المظلوم على الظالم, سلاح المطحون على الطاحن, سلاح الثاني على الأول, لذا فالسخرية سلاح الأكثرية.وكلما أمعنت في سخريتك تكون أكثر صدقاً، ونبلاً في هذا الزمان المتلاطم الحافل بالكذب والخداع والرياء، ولطالما كانت القضية الاقتصادية هما يؤرق الأفراد والجماعات سيما إذا أمسك بزمام الأمور مسؤولون لا يضعون الموارد في نصابها الصحيح، يقول الإمام علي رضي الله عنه: "ما جاع فقير إلا بما شبع به غني" وينتقد القذافي السياسات الاقتصادية الظالمة التي تبدد الموارد وتحرم العباد أرزاقهم، فيما تنفق الأموال الباهظة على مشاريع لا تعود بالفائدة على المجتمع. ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في قصة "انتحار رائد الفضاء" حيث يقول: "فقال الفلاح صاحب الأرض. . صاحب المزرعة: هل تجذبك الأرض إليها يا بني؟ وهو يقصد: هل تحب فلاحة الأرض. .؟ فقال رائد الفضاء: إن جذب الأرض يتناقص كلما صعدنا إلى أعلى، ويقل وزننا تدريجيا حتى وصولنا إلى نقطة انعدام الوزن، عندئذ نكون قد تخلصنا من جذب الأرض لنا، ونكون قد انجذبنا إلى كوكب آخر، ويعود الوزن تدريجيا. وهكذا.. !! (26).
والجميل أن الكاتب لا أن يسخر فقط من هذا الإنجاز الذي كلف المليارات.. مليارات كانت ستطعم ملايين الجياع في الأرض، بل قدم لنا أيضاً المعلومة؛ فموضوع الفضاء غافل عن معظم البشر، ولا يعرفه إلا العاملين فيه، وفي إطار السخرية اللاذعة يعطينا الكاتب المعلومة تلو المعلومة فمثلاً: أن الأرض تقل في حجمها عن حجم المشتري قرابة 1320 مرة وأن 12 سنة أرضية تعادل سنة واحدة للمشتري، وأن بقعة المشتري كافية لاستيعاب الأرض في مركزها، وأن 744 كرة أرضية تساوي حجم زحل، ومع هذا فإن وزن الأرض يقل قرابة 95 مرة فقط عن وزن زحل، وأن قطر الأرض يزيد بحوالي 50 مرة على قطر القمر، وأن حجم الأرض يزيد عن حجم القمر بحوالي 80 مرة، وأن جاذبية الأرض تزيد بست مرات على جاذبية القمر، وأن بعد الأرض عن الشمس يصل إلى 150 مليون كلم. وأن ضوء الشمس يصل إلى الأرض بعد ثماني دقائق من انطلاقه بسرعة 300 ألف كيلومتر في الثانية، وأن حجم الأرض يقل بقرابة 303800/1 مليون مرة عن حجم الشمس، وكتلة الأرض كذلك تقل ب 58 3329 مرة، وكثافتها تقل ب 30 مرة تقريباً عن كثافة الشمس... إلخ. وأظن أننا جميعاً لا نعرف شيئاً عن هذه المعلومات، لكن الكاتب يقترب من الثقافة الشعبية في تسجيل كل هذه المعلومات لكل الناس (27).
وإمعانا في السخرية ينهي الكاتب قصته نهاية مأساوية حزينة، كانت متوقعة من عنوان القصة انطلاقا من المثل القائل: ( المكتوب يُقرَأ من عنوانه)، فقد ختم الكاتب قصته بالفقرة التالية: "ولم يفهم الفلاح شيئا، وإنما أصابه الدوار هو أيضا، وأحس أنه رجع من رجلة فضاء عبر المجموعة الشمسية كلها بلا أي نتيجة تتعلق بمزرعته، فالذي يهمه هو المسافة بين كل شجرة وشجرة، وليس بين الأرض والمشتري! ويهمه حجم إنتاج مزرعته. . وليس حجم عطارد!! وربما تصدّق ببعض الشيء على رائد الفضاء المتسول المسكين. . وانصرف عنه. فانتحر رائد الفضاء بعد أن أيس من الحصول على عمل يعيش به فوق الأرض." (28).
وهكذا يمزج الكاتب بين المأساة والملهاة، ليقول لنا في هذا العالم المتناقض يجب أن تخوض معركة البقاء والصمود، وفي هذا العالم المشطور عليك أن تتحول إلى بطل تراجيكوميدي؛ تلجأ إلى السخرية اللاذعة كي تتحايل على الجلاد وتضحك ثم تبكي وتسخر من غيرك ثم من نفسك.
ولطالما كانت الأرض محور الصراع وجوهر الوجود، ومن أجلها أرخصت أرواح كثيرة وعليها سالت دماء غزيرة، وبعد كل ذلك فهل من المنطقي أن ندمر هذه الأرض بأيدينا التي دافعنا بها عنها؟ هل من المنطقي أن نحول مساحات زراعية خضراء شاسعة إلى مكعبات إسمنتية؟!! ولكن لا عجب في ذلك إذا كان الزمن زمن العجائب واللامنطق، يقول القذافي في قصة "الأرض": "الأرض تكون أرضا إذا حافظنا على عطائها. ... الأرض المعطاء هي الأرض المفيدة. . احرصوا على هذه الأرض. . إذا بلطنا وجه الأرض أو "زفتناه". ... أو عبدناه. أو "ملعقناه" نكون قد قتلنا الأرض، ولم تعد أرضا معطاء، أو مفيدة، فهي عندئذ قطران وزفت وبلاط ورخام. .." (29).
وتصل السخرية أقصى درجات المرارة والحدة عندما يلجأ الكاتب إلى أسلوب الأمر الذي يخرج عن معناه الحقيقي إلى معان أخرى كالتحقير والسخرية، منتقدا من يدمرون الاقتصاد والزراعة بحجة مجاراة التطور، متناسين قول الإمام علي رضي الله عنه: "لا خير في أمة تأكل مما لا تزرع، وتلبس مما لا تصنع." يقول الكاتب في قصة "عشبة الخلعة والشجرة الملعونة": "هلموا لقطع دابر الزراعة واجتثاث جذورها والإسراع في التحول ليس التحول الثوري. . بل أقصد التحول إلى تجار. . وسنفازة. . وباعة متجولين، علموا أولادكم الحفاية والسمسرة و التفريش في الشمس والزمهرير، استمروا أيها الأحرار آناء الليل وأطراف النهار في قطع الأشجار ومحو الاخضرار من على وجه الأرض الأبية، هشموا بسواعدكم المفتولة غابات الجبل الأخضر وأشجار النخيل من مزارعكم وابنوا على أنقاضها متجرا أو محل تزيين أو حلواني أو مقطع جير. ما قيمة النخلة ما دام العالم يصنع لنا الحلوى!!؟ نحن نفضل تمرا بلا شوك. . وبرتقالا بلا قشور. . وزيتونا بلا شجرة. . اقطعوا دابر الأشجار وخاصة الشجرة الملعونة الزيتونة والنخلة. هكذا سنقف على قدم المساواة مع الأمم القوية المتجبرة وسنكون في مأمن من الصواريخ ذات الرؤوس النووية. . ولهذا سنقهر التخلف الذي طال مداه وسنصنع التقدم. (30).
ويعلن الكاتب ثورته على الغلاء المعيشي وارتفاع الأسعار، ويثير هذه القضية بأسلوب ساخر هازئ، والقذافي لا يسخر على حساب غيره، ولا يغمط الناس حقوقهم، فهو يثمنً بشكل غير مباشر تجربة الأسواق التي أقامتها الدولة لتقدم إلى المواطنين السلع بسعر التكلفة مع زيادة قليلة، فيما يصرّ آخرون على التوجه إلى أسواق الغرب وبضاعته."وهدف الفن العظيم هو تقديم صورة للواقع، ينحلّ فيها التناقض بين المظهر والواقع، الجزئي والعام، والمباشر والتصوري. .. الخ، حتى أن الشيئين ينصهران في تكامل تلقائي في الانطباع المباشر للعمل الفني."(31).
وهذا ما حققه كاتبنا في نصوصه سيما النص التالي من قصة "عشبة الخلعة والشجرة الملعونة" حيث يقول: "ثمة عشبة للعقم بكل أنواعه حسب تأكيده بنفسه. . العقم الإنجابي.. والعقم الإنتاجي. . وربما الفكري أيضا وكذلك دواء الدوخة. إذا داخ رأسك وأصابك الدوار لأي سبب حتى ولو دخت وأنت تبحث عن قميص لابنك كان بدينار واحد في السوق العام المملوك للشعب. . ثم وجدته الآن بعشرين دينارا في متجر خاص ورجعت إلى السوق ولم تجد القميص هناك. . ثم رجعت إلى المتجر الخاص ووجدته قد ارتفع ثمنه إلى (25) دينارا خلال غيابك خمس دقائق، فإن الحاج حسن يؤكد أن لديه عشبة دواء لمثل هذا الدوار التقطها من نباتات المراعي."(32).
ألم يعبر الكاتب عن الواقع ؟ ألم يضع إصبعه على الجرح ؟ أليست كل البلاد العربية على هذه الشاكلة ؟ ما أقسى السخرية وما أقواها في فضح ما لا نعترف به.. نحن الذين أصبحنا في ذيل الأمم. سخرية مضمخة بالغضب والثورة.. لماذا نحن في الأسفل..؟ وأمم أخرى كانت دوننا أصبحت فوقنا..؟ إن السخرية أضحت ضرورية في زمن شاعت فيه "حكمة" (لا أسمع، لا أرى، لا أتكلم).
4. السخرية الدينية
قبل البحث في هذا المحور، لا بد من الإشارة إلى أننا لا نقصد السخرية من أي دين سماوي، ولكننا نقصد السخرية من الفهم الخاطئ للدين أو تطبيقه بطريقة منحازة.
إن من أدعى دواعي السخرية، أن يكون الموت هو النهاية المحتومة للإنسان، إنه أمر يدعو إلى السخرية حقاً، السخرية من هذا الجبروت الزائل والقوة الواهية والسطوة الفانية، حيث يتحول الإنسان في طرفة عين إلى جيفة ترمى في حفرة وكأن شيئاً لم يكن!! ـ هذا مع الاحتفاظ بقدسية الفهم الديني للحياة والموت والحساب ـ ولعل هذا هو سر كونها ـ أي السخرية ـ تكثف في أعماقها مشاعر الحزن والألم خلف ما ترسم من ابتسامات تصل أحياناً إلى حد الضحك.

"ويربط كونت بين الدين والدولة، وهو يرى أن الدين بوصفه نظاما اجتماعيا، يعد من القوى الأصيلة في كل المجتمعات؛ لأنه يمارس سلطة اجتماعية لا غنى عنها لما لها من فاعلية وأثر في ضبط سلوك الأفراد ومراقبة تصرفاتهم" (33).
وإذا كانت مقولة "الدين أفيون الشعوب" قد لاقت هجوما وحربا ضروسا، فإننا اليوم نقولها ونؤكد أنها صحيحة إذا كان فهمنا للدين غير صحيح. وإذا قمنا بليّ عنق الدين ليوافق أهواءنا ومصالحنا الضيقة، ففي رواية "عشبة الخلعة والشجرة الملعونة" نقرأ النص التالي:"نحن دعاة سلام ومحبة. . وشعارنا (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) فعلى الإسرائيليين منا السلام والرحمة والبركة. . وكذلك الميركان. . وحلف شمال الأطلسي وحلف داود. وعليهم أن يردوا علينا بنفس التحية أو بأحسن منها فننتظر كل يوم من الإسرائيليين وحلفائهم أن يقولوا: السلام على الرابطة وتاجوراء ورأسلانوف والقدس وبغداد." (34).
ويعالج الكاتب هنا قضية مهمة، ألا وهي التأويل الشخصي للنصوص الشرعية، حسبما تقتضيه مصلحة أصحاب النفوذ وهنا يمزج الكاتب بين القضية السياسية والقضية الدينية؛ حيث يلجأ كثير من الناس إلى تأويل بعض النصوص الدينية حسب رغباتهم وأهوائهم، فتحية الإسلام "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" لا تعني التسليم والاستسلام، يقول تعالى: "وإن جنحوا للسَّلم فاجنح لها" أي يجب أن يبادر العدو بطلب الهدنة والسلام ويبدأ فعليا بالالتزام بذلك، ومن ثم يأتي قبول المسلمين لها، لا أن يكون استسلاما من طرف واحد.
ويواصل الكاتب المزج بين القضايا السياسية والدينية حين يتعرض لبني إسرائيل في قصة " ملعونة عائلة يعقوب ومباركة أيتها القافلة" ولكن دون ذكر صريح لهم، فهو يكنّي عنهم "بعائلة يعقوب" ويحاول فضحهم وكشف زيف الصورة التي يحاولون رسمها لأنفسهم وإقناع العالم بها، على نحو ما يتجلى في قوله: "إذن، من حق عائلة يعقوب أن تتفاخر، وتعظّم نفسها، فهي مباركة وعظيمة، أبوها يعقوب الكظيم، وابنها يوسف. ألا تستحق التكريم، والتفضيل !!؟ وأن تطلب أن يفتح لها الطريق. . في المطارات. والأفراح وكل المناسبات الاجتماعية. .، وحتى المؤتمرات ـ إن وُجدت ـ وأن يشار لها بالبنان !!؟ (35).
وهكذا يسخر الكاتب من هذا الشرف الذي يدعيه بنو إسرائيل وهم ليسوا أهلا له. وبعد ذلك يأخذ في فضح أمرهم وكشف مناقصهم بقوله: "وأقصى انتصار لأخوة يوسف كان يمكن تحقيقه، هو الانتصار على ذئب، أو ثعلب، ولا يحلمون بالانتصار على الإمبريالية أو الرجعية. هذا المجد العالمي العظيم لا يدور في مخيلة أحد من أبناء عائلة يعقوب ولا تحلم بمجد مصر وخزائنها، إلا يوسف الذي كان يرى الغد، واختص بتأويل الأحاديث (..........)حمدا لله الذي كشف لنا عائلة يعقوب في القرآن الكريم، واتضح أنها لم تكن أمينة على يوسف، بل كانت تكيد له كيدا، وتمهله رويدا؛ فهو يبني لها مجدا، وهي تحفر له جبا." (36). فحسبهم عارا وخزيا أنهم حاولوا قتل أخيهم بغير ذنب ارتكبه. فهي سلالة قائمة من أول يوم على القتل في سبيل تحقيق مصالحها الذاتية، دون وازع من ضمير أو خلق.
وأما في قصة "أفطروا لرؤيته" فالكاتب يثير إشكالية نعايشها كل عام، وهي تحديد غرة رمضان وشوال وذو الحجة، لارتباطها بمناسك وشعائر دينية، وهي الصوم والحج؛ فرغم التقدم العلمي الذي وصلت إليه البشرية، إلا أننا لا نزال نقف عند مثل هذه الأمور ونجعل منها معضلة، وقد تصبح هذه الشعائر عامل فرقة للمسلمين بدلا من أن توحدهم. ويزداد الطين بلة إذا كان لكل دويلة "غرض في نفس يعقوب" يريد أن يقدم أو يؤخر غرة الشهر لأجله. يقول الكاتب: "فرمضان يجب ـ ولو لأسباب أمنية ـ أن ينتهي على الأكثر يوم الأحد الموافق 14/4/1991 بالنسبة لجميع المسلمين الذين صاموا بالسبت أو الأحد أو الإثنين، يوم 14 يعني يوم 14، سواء غمّ عليكم أو قطعت حتى أنفاسكم ومن المفروغ منه أن يكون غرة شوال هو يوم 15/4/1991 حتى ولو كان قمرا مكتملا أو لم يولد بعد ولو أدى الأمر إلى اختيار شهر آخر للحج فليكن شوالا نفسه أو ذا القعدة." (37).
كما يشير الكاتب إلى تحكم الدول الاستعمارية في قرارات الأقطار الإسلامية، حتى ولو كانت قرارات متعلقة بالمناسك الإسلامية حيث يقول: "يبدأ شوال يوم الإثنين وطز فيكم وفي هلالكم وفي محاكمكم الشرعية وغير الشرعية. . بل إن الجنرال قرر أن تنتهي إجراءات الحج في مشارق الأرض ومغاربها قبل نهاية شهر رمضان." (38).
ويمعن المستعمر في التحكم حتى في تفاصيل الشعائر الإسلامية حيث يقول: "ويأمر الجنرال أشوارزكوف حجاج بيت الله الحرام بأنه من المحرمات أيضا علاوة على الرفث والفسوق والجدال هناك قائمة إضافية من المحرمات يأمر بها هذه المرة أشوارزكوف وليس الله، وهي تحريم جلب الصور بما فيها الصور الشخصية عدا الصورة الملصقة على جواز السفر، وكذلك الكتب بما فيها كتب القرآن والحديث والفقه، كذلك ممنوع الدعاء إلا الذي قرره أشوارزكوف بنفسه، وتجدونه لدى كل مطوف بلا مناقشة، لأن أي حرية في التعبير وعدم تحديد الدعاء قد يؤدي إلى الهتاف بعبارات معادية للقوات الأمريكية أو حتى للجنرال نفسه أو لرئيسه لا سمح الله. . وهذا يقود إلى مظاهرات أو هيجان قد يؤدي إلى الإخلال بالأمن المسؤولة عنه القوات الأمريكية حيث مكة جزء لا يتجزأ من المملكة العربية السعودية والمسؤول عن حمايتها أشوارزكوف." (39).
ويسخر الكاتب من هذا الواقع على نحو صارخ من خلال تبريره الظاهري للخطأ واللامعقول، بل ومحاولة إيجاد أعذار و"حجج" لتلك السلوكات المرفوضة، من خلال تأويل الآيات والأحاديث بطريقة خاطئة، لتكون منسجمة مع الأغراض الشخصية. فهو يقول:"ما هو الخطأ في تمديد شهر رمضان 32 يوما والفطر يوم 3 من شوال، أو في قبول الإجراءات المتعلقة بالحج هذا العام وفقا للأوامر. . فمن المخطئ. .؟ لا شك أن المخطئ هو غير الملتزم والمارق من الصف المنتظم، العاصي للأوامر. . لماذا ترفع رأسك إلى السماء لترى القمر. ..؟ كان يجب أن تقول غمي علينا. . وتكون بذلك قد ضربت عدة عصافير بحجر واحد؛ فمن جهة وهي الأهم تكون قد أكدت السنة وتمسكت بها فقد غمّ عليك وأتممت رمضان 32 يوما. . ومن جهة أخرى حصل لك الأجر والثواب بصيامك يومين آخرين، ومن يعارضك أو يكفرك وأنت قادر على الردع ليهم بقوله "وأن تصوموا خير لكم". . وأنك مع الراكعين عملا بقوله تعالى " واركعوا مع الراكعين" إن القرآن يستخدم على يد كل المسلمين للوصول إلى السلطة ويبرر الاستغلال والاغتيال والعمالة وحتى الانبطاح والانفتاح فأنت مسلم ولك الحق في استغلال القرآن لأي غرض، هل أنت أكثر تقوى من الإخوان المسلمين والتكفير والهجرة والسلطان عبد الحميد وعبد المجيد و الشيخ عبد الرحمن وعبد نورمان وعبد ماك ميلان. .؟ (40). وهكذا يمسي الدين سوطا إضافيا بيد من يملك السلطة والنفوذ، يديره حيث يريد من أجل تحقيق أهدافه الشخصية.
وأما في قصتي "دعاء الجمعة الآخرة" و "وانتهت الجمعة دون دعاء" يتعرض الكاتب لقضية تركيز المسلمين ـ إلا من رحم ربي ـ على مسائل ثانوية صغيرة لا قيمة لها في الدين ولا تؤثر في مسيرة الحياة، ويقابل ذلك إغفال للمسائل المهمة والكبرى في الدين، والتي يمكن أن تغير مجرى حياتنا. فهو يقول في "وانتهت الجمعة دون دعاء": "وعلينا أن نساعدهم بإعادة طباعة كتب ابن تيمية وابن كثير والمودودي ذات العناوين الباهرة مثل (رأي الدين في اللقاء بين الزوجين. . بعد رأيه في اللحية والتدخين و (أكثر من قول في تعدد زوجات الرسول) ( والغنة في نكاح أهل الجنة) و (أكل القديد حسب طريقة خالد بن الوليد) لأن المهم هو أن نعرف كيف كان خالد بن الوليد يأكل القديد. . وليس المهم كيف انتصر على الروم وأساليبه في الحرب. .بل المفيد هو أسلوبه في أكل القديد. . " (41).
فهذه قضايا أصبحت في حكم المفروغ منها، وليست بحاجة إلى درس وتحليل لاستنباط الفتوى الشرعية فيها، ومع ذلك لا تزال مدار خلاف وجدل يستنزف كثيرا من جهدنا ووقتنا دون جدوى، فيما كان من الخير لنا أن نبحث قضايا جوهرية تؤثر في رسم ملامح الحاضر والمستقبل. ونقرأ شيئا شبيها بذلك في قصة "دعاء الجمعة الآخرة" حيث يقول: "إنكم لن تستطيعوا التقدم إلى الأمام. . ولا دخول العصر. . ولا الخروج من التخلف. . ولا حتى تحرير فلسطين. . أو على الأقل تدمير قواعد العدو الموجهة لكل عاصمة عربية. . لا يمكن لكم تحقيق شيء من هذا دون الرجوع إلى كتبكم الصفراء. . والعودة ألفي سنة إلى الوراء لنعرف من قتل عثمان وضرورة تقديمه للعدالة.....كيف نذهب إلى الأمام ونحن لم نعرف بعد من هو أحق بخلافة أبيه الهادي أم المهدي. . الأمين أم المأمون. . وهل ناقة علي كرم الله وجهه كانت شقراء أم حجلاء. .!! وهل قميص عثمان مصنوع من القطن أم من النايلون !!؟." (42).
وكما نرى فهذه قضايا ليست فقط لا تؤدي إلى تقدم الأمة، بل هي ضارة بوحدة الأمة التي هي شرط نصرها وتفوقها وكأن القذافي يقول بكلمات أخرى "الفتنة نائمة فلنقتلها". ذلك أنّ "الأمن الداخلي لا يعني فقط مكافحة الجريمة، وإنما هو قبل أي شيء، بناء الفرد وخلق الاستقرار والتلاحم بين أفراد المجتمع. كما أن الأمن الخارجي لا يعني جيشا و قوات مسلحة فقط، بل يتمثل بتقوية الجبهة الداخلة أولا" (43).
كما ينقد كاتبنا وبشدة، عدم السعي الجاد من أجل تحقيق الأهداف، واللجوء بدلا من ذلك إلى ما يشبه الشعوذة والتخريف والدجل. نقرأ في "دعاء الجمعة الآخرة" ما يلي:"أما الدعاء فهو الآتي: فهم لا يبصرون. . فهم لا يبصرون ألف مرة في الدقيقة يوم الجمعة الآخرة من رمضان مع كلمة آمين. هذا الدعاء صحيح مجرب فهو قادر على جعل اليهود لا يبصرون الأهداف الحيوية للعرب بما فيها مصنع الرابطة للأدوية بل لا يبصرون العرب أنفسهم." (44).
كما نقرأ أيضا: "أما التعويذة الأخرى فهي مجرد قراءة كتاب في ظلال القرآن، وليس القرآن نفسه، وحسب شرح الإخوان المسلمين هو أن القرآن كتاب واحد فقط أما ظلال القرآن فهي عشرة. إن هذه الكتب كما هو واضح لكم لا تترك لقارئها وقتا زائدا لقراءة أي علوم أو مناهج أخرى فارغة كالكيمياء والرياضيات والفضاء والأعماق. ولكن بشرط الاعتكاف في المساجد أو المنازل. وتصوروا أيها المؤمنون أفادكم الله. . إذا اعتكف المسلمون من جاكرتا إلى مراكش عدا ما ذكر أعلاه كم تكون ضخامة الدعاء وقوته التي لا يمكن أن تقهر." (45).
ونلاحظ هنا أن سخرية الكاتب تتخذ عدة أوجه؛ فهو لا تتوقف عند مهاجمة فكرة الاكتفاء (بالدعاء) فقط دون الأخذ بالأسباب، بل يمعن في سخريته حين يأخذ في تعليل هذا الموقف من وجهة نظر أصحابه، فكيف سيكون حال أمة لا تجد وقتا لمطالعة العلوم المعاصرة وبدلا من ذلك تعتكف كلها في البيوت أو المنازل؟ وهل هناك سخرية بعد هذه السخرية؟!!!.
إن القذافي إنسان قبل كل شيء، "وانسجاما مع ما ارتضاه لنفسه، فهو يتجاوز في تمرده حدوده ليؤثر في من هم حوله، ويحثهم على اتخاذ المواقف الجريئة، ويؤجج فيهم روح التمرد، ليتحول إلى محرّض يستثير الهمم ويقود الجماهير ويحركها نحو مواقع متقدمة على طريق التحرر" (46)، وأي استثارة وأي تحريض يمكن أن تكون أقوى من الدعاء على الأمة بدلا من الدعاء لها؟!! فلنقرأ النص التالي من "دعاء الجمعة الآخرة": "اللهم اهد المسلمين إلى طريق الحق وجاهدهم في بعضهم بعضا، واجعلهم يكفّر بعضهم بعضا، ويهجر بعضهم بعضا، ويقتل بعضهم بعضا. . حتى يتحالفوا مع أهل الكتاب إنك مجيب فوحدنا تحت راية واشنطن وتل أبيب، واجعلهم هم وأولادهم ونساؤهم وأموالهم غنيمة للمسلمين مع ضمان توزيع هذه الغنائم توزيعا عادلا لا يسار. . ولا يمين. . آمين." (47). وهكذا نرى أن الكاتب من خلال هذا "الدعاء" يحاول أن يقوم بما بشبه "الصدمة العصبية" للقارئ ليتنبه لما يمكن أن تؤول إليه حال الأمة إذا ما هي استمرت في الطريق الذي تسير فيه.
وأما في قصة "المسحراتي ظهرا" فينتقد فيها الكاتب بعض السلوكات التي جدّت على الإسلام وأهله، ومنها الأذان عبر مكبرات الصوت بدلا من الأذان بصوت المؤذن الحي المباشر. ويقارن الكاتب بين صوت المؤذن عبر مكبرات الصوت وصوت "المسحراتي" الذي ينبعث مباشرا شجيا ساحرا حيث يقول: "صوت المسحراتي ساحر كالسحر وكالسحر فهو لا يستعين بمكبرات الصوت المزعجة المنفرة الصاخبة الصامة كتلك التي يستخدمها المؤذنون في مالطا." (48).
وانتقاد الكاتب في محلّه. فلو كان الأصل أن يؤذن المؤذن عبر مكبرات الصوت، فما لزوم المأذنة الشامخة التي توجد في كل مسجد؟ وكأن القذافي يعمل بالمثل القائل "إن كبرت مصيبتك اضحك لها"، ذلك أن "الفنان الحقيقي هو الذي يدفع المجتمع إلى التغيير، والفن وسيلة للسيطرة على الواقع، ومن ثم فإنه يلعب دورا في تطور الإنسان المتناغم الشامل" (49).
ويثير الكاتب قضية أخرى ذات صلة بالموضوع وهي الفرق في الأثر الذي يتركه المؤذن في السامع في حالة أذانه بصوته الحي، وفي حالة أذانه عبر مكبر الصوت. وذلك حين يقول:"المؤذن أصبح يعلن الأذان من مكانه؛ بل أصبح المؤذن يؤذن وهو متمدد على الفراش بواسطة مكبر صوت، فهو لا يزعج الذين يكرهونه لأنه لا يتحرك ولا يمر أمام أبوابهم، ولا يتوقف أمامها منبها كما يفعل المسحراتي"(50).
وبما أن المؤذن لا يزعج الذين يكرهونه؛ فهو بالتالي عديم الأثر أو على الأقل ضعيف الأثر بشكل عام، لا ينبه أحدا ولا يحث أحدا على أداء الواجبات الدينية، أي أنه مقصر في مهمته التي وجد من أجلها، وبالتالي فإنه يفقد مبرر وجوده أصلا.
لقد كتب معمر القذافي حقائق ناصعة صارخة، ولا شك أن الحقيقة موجعة عندما تصفعنا على وجهنا وتفضح أكاذيبنا وضعفنا، وبما أن الحياة مؤلفة من لحظات منفصلة تتحدى المنطق، وبما أن القصة تصوير لها، فإنها يجب أن تعكس هذه الفوضى واللامعقولية، وأن ترفض الأساليب التقليدية وطرائق الوصف الخارجية.
أساليب السخرية
تقوم السخرية في مجملها على التصوير المضحك الهازئ في الوقت ذاته. وذلك إما من خلال المحاكاة في طريقة الكلام أو المشي وما إلى ذلك، أو من خلال تكبير العيوب الجسمية أو العضوية أو الحركية أو العقلية، وكل ذلك بطريقة خاصة غير مباشرة، وفيما يلي سنبحث في الأساليب الساخرة التي وظفها القذافي في قصصه.
• المقارنة
قد يعبر الكاتب عن سخريته عن طريق المقارنة بين المثالي والواقع، أو بين حالنا وحال عدونا، بل قد تكون المقارنة بين الإنسان والحيوان.
وفي مجال المقارنة بين النحن وبين الآخر (العدو) يقول القذافي في قصة "عشبة الخلعة والشجرة الملعونة": "نحن إذا سعداء. . لقد تخلصنا من كل شيء. . مساكين الذين ليسوا مثلنا يدافعون عن أوطانهم بأرواحهم وينزفون دما من أجلها. . ويتصببون عرقا من أجل الإنتاج ويحفرون الأرض بأظفارهم. . ويزرعونها شجرا وفوما وقثاء. مساكين الإسرائيليون الذين يعيشون وأصابعهم على الزناد ليحتفظوا باحتلال فلسطين."(51).
إذ من خلال هذه المقارنة يحث الكاتب القارئ على التفكّر في حال الآخر والتنبه لما يعده لنا لنتخذ الحيطة والحذر. أما المقارنة بين الإنسان والحيوان، فهي أسلوب قديم جدا، وربما يكون أول ما وصلنا من أدب مكتوب في هذا المجال هو "كليلة ودمنة" ومنها أيضا مجموعة توفيق زيَّاد "حال الدنيا" التي أشرنا إليها آنفا، وهي تستلهم التراث بشكل واضح جدا. وأما القذافي فقد وظف هذه الوسيلة في قصة "دعاء الجمعة الآخرة" حيث يقول:"انزعجوا لأن القمر في البداية صور كل شيء في الوطن العربي فتزاحمت أمامهم صور الجمال في موريتانيا وصور الحمير في السودان مع صور الملوك ورؤساء العرب في مؤتمرات القمة. لقد انزعجوا بالفعل من فرز الصور والمفاضلة بينها أيها أسوأ وأي منها يشكل خطرا على مستقبل بني إسرائيل ؟؟ وعليه ركزوا التصوير على أهداف منتقاة فقط وأمروهم بعدم تصوير الحمير والجمال وما في حكمها، ولهذا ظهرت صور الرابطة وتاجوراء وترهونة وأبي كماش وقصر أحمد والسد العالي والنهر الصناعي العظيم ورأس الأنوف." (52).
والمضحك المبكي في هذه الفقرة ليس مجرد المقارنة بين بني البشر والحيوانات ووضعها في مرتبة واحدة، بل قرر الكاتب أنه الحكام مثلهم مثل الحمير والجمال؛ لا يشكلون خطرا على "إسرائيل" لذلك فبعد فرز الصور والمفاضلة بينها، لم تعد تظهر صورهم الحكام العرب ضمن المعالم التي تهدد أمن العدو.
• تعظيم الحقير
ويسمى هذا الأسلوب في البلاغة العربية "الذم بما يشبه المدح" فلو أنك قلت لشخص قبيح أن القمر يغار منه، فلا شك أنك تكون ساخرا ولست مادحا، ذلك لأن لكل مقام مقالا، ونلحظ هذا الأسلوب في قصة "ملعونة عائلة يعقوب مباركة أيتها القافلة" وذلك في قول الكاتب: "إذن، من حق عائلة يعقوب أن تتفاخر، وتعظّم نفسها، فهي مباركة وعظيمة، أبوها يعقوب الكظيم، وابنها يوسف. ألا تستحق التكريم، والتفضيل !!؟ وأن تطلب أن يفتح لها الطريق. . في المطارات. والأفراح وكل المناسبات الاجتماعية. .، وحتى المؤتمرات ـ إن وُجدت ـ وأن يشار لها بالبنان !!؟" (53).
• تحقير العظيم
وهذا الأسلوب يبدو ظاهريا أنه عكس الأسلوب السابق ولكنه يؤدي الغرض ذاته، ويوظف القذافي هذا الأسلوب في "ملعونة عائلة يعقوب مباركة أيتها القافلة" وذلك عند قوله: "وأقصى انتصار لأخوة يوسف كان يمكن تحقيقه، هو الانتصار على ذئب، أو ثعلب، ولا يحلمون بالانتصار على الإمبريالية أو الرجعية. هذا المجد العالمي العظيم لا يدور في مخيلة أحد من أبناء عائلة يعقوب ولا تحلم بمجد مصر وخزائنها، إلا يوسف لذي كان يرى الغد، واختص بتأويل الأحاديث (54).
فالكاتب هنا يحط من شأن إخوة يوسف الذين يدعون العظمة، ولكن بشكل غير مباشر، فهو لم يقل لنا لا تحترموا هذه العائلة التي "قتلت" ابنها وغدرت به، بل ترك استنتاج هذه الفكرة للقارئ، واكتفى بكشف هذه العائلة على حقيقتها، وأنها إن كان لها نصيب من الشرف، فإنما يعود الفضل فيه إلى يوسف وليس لهم.
ويوظف الكاتب هذا الأسلوب مرة أخرى في قصة "دعاء الجمعة الآخرة" عندما يسفّه العلوم القيمة، مثل الكيمياء والفيزياء والفضاء، وذلك عند قوله:"إن هذه الكتب كما هو واضح لكم لا تترك لقارئها وقتا زائدا لقراءة أي علوم أو مناهج أخرى فارغة كالكيمياء والرياضيات والفضاء والأعماق." (55).

ويمكن لنا أن نلحظ الفرق بكل وضوح بين قول الكاتب يجب عليكم التفرغ لقراءة العلوم المهمة النافعة كالكيمياء والفضاء. ....الخ. وبين وصفه لهذه العلوم بأنها تافهة. فلا شك أن الأسلوب الثاني أبلغ في الدلالة وأوضح في التعبير.
• التلاعب اللفظي
إذا كانت اللغة ـ أي لغة ـ وعاء الفكر، فإن العربية بشكل خاص وعاء سحري يمزج الألفاظ والمعاني وينتج منها أفكارا بنكهات مختلفة، يمكننا من خلالها التعبير عن أي معنى نريد، حتى أنه يمكننا التعبير عن معنيين متناقضين بالمفردة ذاتها، أو بالعبارة الواحدة.
والتلاعب اللفظي له عدة أشكال؛ منها التورية والكناية والجناس، والاشتقاقات المختلفة وغير ذلك كثير، وقد أفلح الكاتب في توظيف هذا الأسلوب على نحو ساخر، فهو يقول مثلا في قصة " دعاء الجمعة الآخرة":"المهم أن أبناء هذه الأمة من تابعي حزب الإخوان المسلمين. . وحزب التحرير الإسلامي. . والتبليغ والتكفير. . والتهجير. . والدعوة لأمريكا والدعاية لها والدفاع عنها. قد لفتوا انتباه الشباب لهذا السر الخطير." (56).
وواضح ما في هذا النص من تلاعب مقصود بالألفاظ من أجل لفت النظر إلى حقيقة ما يمكن أن تؤدي إليه كثرة الأحزاب الإسلامية التي ينفرد كل منها برؤية مستقلة ويسعى لتحقيق مصالحه الخاصة.
ونقرأ مثل ذلك في قصة "عشبة الخلعة والشجرة الملعونة" حيث يقول: "وفعلا نحن ما حاجتنا بمصنع الأدوية في الرابطة أو رأس لانوف ما دام الحاج حسن جمع لنا كل الأعشاب التي تشفي من كل الأمراض حتى مرض العقل والقلب والنظر. . والكرومة أو الكرامة، وربما حتى داء الشيخوخة، لأنه حسب سمعي قال: عشبة ضد الكبر أو الكبرياء أو شيء من هذا." (57).
وهنا يخلط الكاتب عن عمد بين الكرامة وما قد يشابهها من كلمات ومشتقات، وكذلك يخلط بين الكبَر بمعنى التقدم في السن، والكبْر وهو العُجْب والخٌيَلاء، وبين الكبرياء وعزة النفس. كل ذلك من أجل لفت نظر القارئ إلى أهمية مثل هذه المصطلحات ودلالاتها.
كما يوظف هذا الأسلوب في قصة "الفرار إلى جهنم" ويبدأ تلاعب الكاتب بالألفاظ بدءا من العنوان، حيث إنه قصد ب "جهنم" اسم واحة في بادية "سرت". ولكن المعنى الذي يقفز إلى ذهن القارئ للوهلة الأولى، أن الكاتب يقصد جهنم المقابلة لكلمة الجنة. كما يعود ليتلاعب بالألفاظ مجددا حين يقول: "ولا أحمل شهادة دكتوراة. فلا أحب الطبيب لأنهم يسمونه دكتورا!! ولهذا لم يتمكن من تطعيمي ضدّ الحساسية، فأنا حسّاس جدا خلافا لأهل المدينة الذين تم تطعيمهم منذ زمان بعيد، وعلى جرعات تاريخية من أيام الرومان إلى الترك وأخيرا "الميلكان". . وأنا كما تقرؤون وتضحكون، لا أنطق مثلكم كلمة (الأمريكان) أو (الأمريكيين) (بالراء)، بل أنطقها باللام، لأني لا أعرف معنى أميركا، فالذي اكتشفها ليس (كولومبوس)، بل أمير عربي، ولكن هي تملك القوة. . وتكلك العملاء. . وتملك القواعد في مناطق النفوذ. . وتملك حق النقض لمصلحة الإسرائيليين، وملكت أخيرا بيتا عند نقطة تفرع دمياط ورشيد. . وحوله مزرعة جاموس فهي إمبريالية، إذن هي "أميلكا"، هكذا قال الحاج مجاهد، ولد عمتي غزة بنت جدتي غنيمة أخت "الكونتيساماريا." ( 58).
وهنا يستخدم الكاتب التلاعب اللفظي في موضعين؛ الأول عند استخدامه للفظة الحساسية؛ فهو بالطبع لا يقصد الحساسية المرضية التي يخشى منها الناس ويأخذون اللقاحات لتجنب الإصابة بها، بل يقصد أن يكون حساسا لما يحيط به، يشعر بهموم أمته ويحمل همّ الإصلاح والتغيير.
والموضع الثاني حين يقول (الميلكان) بدلا من (الأميركان) ويعلل ذلك بأنها دولة استعمارية تسعى إلى التملّك، ولذلك فهي أميلكا.
وهكذا نلاحظ أن حدا فاصلا يقف حاجزاً بين الكتابة الساخرة وبين التهريج، والذي لا يرى هذا الحد هو ذلك الذي لا يفرق بين من يرقص طرباً وبين من يهزة الألم ويصارع الوجع ! وكما يقول غسان كنفاني فإن الفارق بين النكتجي والكاتب الساخر يشابه الفارق بين الحنطور والطائرة، وإذا لم يكن للكاتب الساخر نظرية فكرية فإنه يضحى مهرجاً. (59).
الـخـاتـمـة
وبعد....
فقد رأينا أن القذافي لا يسخر لمجرد السخرية، بل يحمّل سخريته قضايا كبيرة، لو أراد مناقشتها بأسلوب منطقي لاحتاج منه ومن قارئه أو سامعه إلى وقت وجهد مضاعفين، عدا عن ثقل الموضوع على النفس البشرية التي تميل إلى السهولة والخفة. فالسخرية - عند علماء النفس - هي: "سلاح ذاتي يستخدمه الفرد للدفاع عن جبهته الداخلية ضد الخواء والجنون المطبق، إذ إن السخرية رغم هذا الامتلاء الظاهر بالمرح والضحك والبشاشة، إلا أنها تخفي خلفها أنهاراً من الدموع.. إنها مانعة صواعق ضد الانهيار النفسي (60).
وبعد قراءة قصص القذافي نلاحظ حضور النقد الساخر في هذه القصص كلها بلا استثناء، فلا تخلو منها صفحة واحدة. وليس ذلك بمستغرب إذا علمنا أن القذافي ذو طبيعة ثائرة رافضة متمردة، يسعى إلى التغيير ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
إن السخرية كانت منذ أن كان الإنسان وكان الخير والشر والصواب والخطأ والقوة والضعف، فالسخرية سلاح يستخدمه من لا يملك قوة ردع مباشرة، فيلجأ لما هو أقسى من الشتائم والتوبيخ الصريح، وفي الوقت ذاته يحمي نفسه من صولجان السلطة أيا كانت.فالكتابة الساخرة في الأحوال كلها، تعكس صورة الواقع بجماله وقبحه، ولكن بأسلوب مختلف عن الكتابة العاديّة.

هوامش البحث:
1. الجيوسي، سلمى الخضراء. موسوعة الأدب الفلسطيني المعاصر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 1997، ص37
2. السابق، ص 51
3. السابق، ص83
4. السابق، ص85
5. الأسطة، عادل. دراسات نقدية، مكتب اليسار جت ـ المثلث، لجان العمل الثقافي الديمقراطي في المناطق المحتلة، ص61
6. القذافي، معمر. الفرار إلى جهنم، ص 47
7. Sartre, J. P.: the Responsibility of the writer, New York, 1960. P185
8. سارتر، ج. ب: الدفاع عن المثقفين، ترجمة جورج طرابيشي، بيروت، دار الآداب، 1973. ص92.
9. القذافي، معمر. عشبة الخلعة والشجرة الملعونة، ص59
10. السابق، ص59 ـ 60
11. القذافي، معمر. الموت، ص67
12. الفرار إلى جهنم، مرجع سابق، ص49
13. السابق، ص52
14. شوقي بغدادي نقلا عن موقع الساخر www.alsakher.com
15. جبر، يحيى، دراسات وأبحاث في الأدب الشعبي الفلسطيني، الدار الوطنية للترجمة والنشر والتوزيع، قلقيلية ـ فلسطين، ط1، 2006م، ص193
16. القذافي، معمر. المدينة، ص6
17. السابق، ص18 ـ 19
18. السابق، ص19
19. السابق، ص7
20. السابق، ص8
21. السابق، ص15
22. السابق، ص20
23. السابق، ص15
24. القذافي، معمر. القرية، ص24
25. مجلة الكرمل، العدد الأول. حوار مع حبيبي
26. القذافي، معمر. انتحار رائد الفضاء، ص38
27. http://www.gaddafiprize.org/YaseenAr.htm
28. انتحار رائد الفضاء، مرجع سابق، ص40
29. القذافي، معمر. الأرض، ص32 ـ 33
30. عشبة الخلعة والشجرة الملعونة، مرجع سابق، ص60
31. Lukas, G: Essay on Tomas Mann – Merlin: London, 1964. P. 34
32. عشبة الخلعة والشجرة الملعونة، مرجع سابق، ص57
33. نور، محمد عبد المنعم. أسس العلاقات الإنسانية. مكتبة القاهرة الحديثة، 1963. ص80
34. عشبة الخلعة والشجرة الملعونة، مرجع سابق، ص59
35. القذافي، معمر. ملعونة عائلة يعقوب ومباركة أيتها القافلة، ص84
36. السابق، ص88
37. القذافي، معمر. أفطروا لرؤيته، ص96
38. السابق، ص96
39. السابق، ص98
40. السابق، ص99
41. القذافي، معمر. وانتهت الجمعة دون دعاء، ص124
42. القذافي، معمر. دعاء الجمعة الآخرة، ص 109 ـ110
43. جبر، يحيى (الأمن والتعليم). بحث مقدم إلى المؤتمر الذي نظمته جامعة الطفيلة التكنولوجية بالأردن. يوليو، 2007.
44. دعاء الجمعة الآخرة، مرجع سابق، ص107
45. السابق نفسه
46. الأدب الفلسطيني في المثلث والجليل، مركز الأبحاث، دائرة اللغة العربية، جامعة بيت لحم.ط1، 2007، بحث الالتزام والثورة في أشعار محمود الدسوقي؛ يحيى جبر . ص169
47. دعاء الجمعة الآخرة، مرجع سابق، ص111
48. القذافي، معمر. المسحراتي ظهرا، ص129
49. مجاهد، عبد المنعم. علم الجمال في الفلسفة المعاصرة، القاهرة، دار الثقافة، 1977، ص12
50. المسحراتي ظهرا، مرجع سابق، ص128
51. عشبة الخلعة والشجرة الملعونة، مرجع سابق، ص59 ـ 60
52. دعاء الجمعة الآخرة، مرجع سابق، ص104
53. ملعونة عائلة يعقوب مباركة أيتها القافلة، مرجع سابق، ص84
54. السابق، ص88
55. دعاء الجمعة الآخرة، مرجع سابق، ص 107
56. السابق، ص106
57. عشبة الخلعة والشجرة الملعونة، مرجع سابق، ص59
58. الفرار إلى جهنم، مرجع سابق، ص 47
59. غسان كنفاني، نقلا عن موقع الساخرwww.alsakher.com
60. ( سلام الباسل ) نقلا عن موقع الساخر www.alsakher.com

مواضيع مشابهة:

  • عشبة الخلعة والشجرة الملعونة
  • نصوص (القرية القرية. .....) لكاتبها معمر القذافي
  • انتحـــار رائـد الفضاء
  • أفطروا لرؤيته
  • ملعونة عائلة يعقوب ، ومباركة أيتها القافلة
  •  

      ملاحظة  
     

    لمراسلتنا يرجى استخدام البريد الالكتروني التالي :

    hanthola@gmail.com

     
     
      استطلاع الرأي العام  
     

    هل تتوقع قيام حرب جديدة على :

    ايران
    سوريا
    غزة
    لبنان

     
     
      دخول الاعضاء  
     

    الأسم‎:
    كلمة المرور:
     

     
     
      الاحصائيات  
     

    المقالات:
      هذه الساعه: 0
      اليوم: 0
      هذا الشهر: 10
      الاجمالي: 578


    الاعضاء:
      المسجلين اليوم :51
      هذه الساعه:2
      هذا الشهر:1466
      الاجمالي:6752
      الموقوفين:0


    اليوم: 2590
    امس: 4658
    الاجمالي: 1934576

     
     
      مواقع صديقة  
     

    » حركة اللجان الثورية - الجماهيرية الليبية
    » موقع اسراطين
    » موقع 17 فبراير
    » حركة اللجان الثورية الارترية
    » حركة اللجان الثورية الموريتانية
    » القذافي يتحدث
    » مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية
    » المركز العالمي لدراسات الكاتب الاخضر
    » اوربت للتصميم وخدمات الانترنت

     
     الرئيسية  | خارطة الموقع | اتصل بنا

    كافة الحقوق محفوظة - حركة اللجان الثورية الفلسطينية 2010

    تصميم : أوربت للتصميم وخدمات الانترنت .

    تطوير : SmartDesigner .