الانهيارات الضخمة والخسائر الهائلة في الأسواق المالية والبورصات العالمية ، ووصول عديد المؤسسات المالية الرأسمالية إلى حافة الإفلاس ، وإعلان أخريات عن إفلاسها الحقيقي ، بدءاً من« وول ستريت» في الولايات المتحدة الأمريكية مروراً بأسواق أوروبا ، فاليابان ، وجنوب شرق آسيا، وانتهاء بدول أخرى انتهجت الطريق الرأسمالي بحجة الاندماج في منظومة اقتصاد السوق. هذه الانهيارات ترسم علامات استفهام حقيقية حول مستقبل الرأسمالية وحول ما يسمى بسياسات الليبرالية الجديدة التي سعت إلى إنقاذ ما تبقى من الرأسمالية ، لكن الصدمة كانت أكبر ، والكارثة جاءت هذه المرة ماحقة. إن السوق الرأسمالي اليوم وهو يترنح تحت ضغوط الأزمات المتلاحقة التي ضربت بزلزالها كل أسواق المال العالمية ، أزاح القناع عن الوجه الرأسمالي ليكتشف الجميع أنه وجه قبيح وأن البراقع المظهرية التي يختبئ خلفها ليست سوى (ديكوراً) هشاً لايصمد كثيرآً أمام نائبات الدهر .. اليوم ،في العالم الرأسمالي يتحدثون عن صدمات رأسمالية ، وهم بذلك يكابرون عن الاعتراف بحقيقة سقوط الرأسمالية بأسسها الفلسفية والفكرية وصولاً إلى سقوط نموذجها المجسد في أغلب الدول الرأسمالية وتلك التي تلقفت التشوه الرأسمالي وابتعلت طعم عفونته .. إن الرأسمالية محكوم عليها بالفشل وهذه حقيقة طالما أكدنا عليها ليس من باب التمني ولكن من خلال الوقائع والشواهد التي يعيشها العالم الرأسمالي الذي يشهد حالة انهيار مستمر ومتواصل لايكاد ينقطع رغم كل الادعاءات الرأسمالية التي تحاول أن تمررها آلة الإعلام الغربية ان استعراضاً تاريخياً مختصراً وسريعاً لتطور الاقتصاد الرأسمالي يكشف عن أن واقع الرأسمالية ليس سوى واقع الانهيارات وواقع الأزمات المتكررة ، وإن تاريخها ليس سوى تاريخ هذه الازمات ، من ازمات كساد اقتصادي ، إلى أزمات ركود حادة إلى تضخم وارتفاع قياسي للأسعار ، إلى إفلاس مالي ضرب ويضرب كبريات المؤسسات والشركات الرأسمالية ويضعها على حافة الانهيار ، هذا علاوة على المضاربات المالية ، وأزمات الاحتيال المالي والاختلاسات المالية الكبرى التي طالت ومست أشخاصاً وهم من رموز الرأسمالية وأساطينها .. تاريخ طويل من الأزمات ذلك هو تاريخ الرأسمالية منذ أن أطلت برأسها وتوحشها على العالم . إن ما تشهده الرأسمالية اليوم من أزمة مالية حقيقية ، ليست هي الأولى في تاريخها ولن تكون الأخيرة ـ على أية حال وأن وصف المحللين الرأسمالين لها بأنها صدمة عابرة سوف تزول هو وصف لا يطابق الحقيقة .. كون هذه الأزمة هي الأخطر للرجل الرأسمالي المريض الذي لا ولن يعيش طويلا .. وعلى حسب وصف « الان غرينسبان» الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي » الأزمة الحالية هي الأخطر منذ قرن ، وهي لم تنته بعد وستستغرق مزيداً من الوقت ، والتوقعات تشير إلى انهيار العديد من المؤسسات المالية الكبرى بسبب القسوة الاستثنائية لهذه الأزمة .. وهو ما أكد عليه خبير مالي أمريكي يدعى جون غري في مقالة كتبها مؤخراً في صحيفة «ذي اوبزيروفر» البريطانية بقوله« أن الازمة المالية التي تشهدها الولايات المتحدة ستؤدي بالبلاد إلي السقوط بنفس الطريقة التي سقط بها الاتحاد السوفيتي عندما انهار جدار برلين » صدمة الرأسمالية اليوم ليست صدمة مدعومة للفاعلين الرأسماليين والمضاربين الكبار في أسواق المال ، بل إنها صدمة شاملة تمس في العمق حياة ملايين الفقراء والعاطلين وفئات اجتماعية أخرى .. والذين سوف يدفعون الثمن مضاعفاً وقد اكتووا مرات ومرات بالنار الرأسمالية .. فالرأسمالية اليوم وصلت بها الأزمات إلى طريق مسدود ليس بوسعها من اجل إنقاذ ما تبقى منها إلا أن تكبد هذه الفئات الاجتماعية المزيد والمزيد من الخسائر وفق نظام ضريبي متصاعد يصيب هذه الفئات في مقتل كون هذه الفئات هي المستهدفة بدفع هذه الضرائب ولحساب الرأسماليين الذين أرهقوها طويلا .. من أجل كذبة السوق الحر والحرية الاقتصادية المزعومة .. فالرأسمالية تمارس دائماً «سياسة التلون الحرباوي » نسبة إلى الحرباء وتحت دعاوى تجديد نفسها .. وهي دعاوى يدفع الفقراء ثمنها الباهظ .. فلا الرأسمالية قادرة في الواقع على تجديد نفسها .. ولا الفقراء بقادرين على مجاراة الأكاذيب الرأسمالية التي لم تتوقف منذ أن أطلت الرأسمالية برأسها على العالم .. إن أطروحة انهيار الرأسمالية ليست نتاج الأزمة المالية التي تعصر العالم الرأسمالي اليوم ، وتضع مؤسساته ومصارفه على حافة الانهيار والإفلاس ، بل إن هذه الأطروحة هي وليدة الرأسمالية المبكرة ذاتها ، كون الرأسمالية هي نظام الأزمات بامتياز ، لدرجة أن اشهر الاقتصاديين الرأسماليين أنفسهم يقرون بهذه الحقيقة ويذهبون إلى القول بأن الرأسمالية لا يمكنها أن تعيش إلا في بيئة الأزمات التي تلازمها كظلها .. بل أن مفكرين لهم صيتهم وشهرتهم في العالم الرأسمالي من أمثال « جوزيف ستيغلتير» الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد والذي شغل منصب كبير المستشارين في عهد الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون كان على الدوام يدق نواقيس الخطر أمام الرأسمالية ويشير صراحة إلى أن الرأسمالية تعاني من أزمات مستفحلة تسكن صلبها موضحاً أن الرأسمالية مصابة بداء « نقص المناعة » وأنها فيروس حقيقي يتوالد في الجسم الاقتصادي العالمي .. وهو تشخيص حقيقي للمرض الرأسمالي الذي صار ينقل أعراضه وعدواه إلى كل المجتمعات التي انتهجت الطريق الرأسمالي المحفوف بكل المخاطر .. ما يسمى بالنمور الآسيوية التي نفخت الرأسمالية في جسمها تحولت فجأة إلى نمور من ورق ، وانتهت بعد أن اكتشف العالم كله أن هذه النمور تعاني من ورم ومن تورم رأسمالي خطير حسبه البعض لحماً وشحماً . الرأسمالية اليوم تعاني من سكرات الموت ، بل أن كبار المسؤولين في النظام الرأسمالي اختلفوا في الوقوف على طبيعة هذا المرض واعترفوا بأن الرأسمالية مرض عضال حسب تشخيص الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لطبيعة الأزمة المالية التي تعصف اليوم بالنظام الرأسمالي وطالت كل أطرافه ، الذين راهنوا طويلاً على نجاعة الرأسمالية وقدرتها على تجاوز أزماتها بشكل تلقائى وعفوي خسروا الرهان باعترافهم بذلك .. فالأزمات تتوالد والرأسمالية تتراجع وتتهاوى على رؤوس مناصريها الذين عجزوا عى إيجاد تفسير حقيقي لطبيعة المشكل الرأسمالي المعاش ، وكابروا في الاعتراف بأن الرأسمالية هي المشكلة .. الرأسمالية هي المشكلة لأنها نظام لا يتناسب والطبيعة البشرية بل يتنافي معها ويجافيها ويتناقض مع فطرتها الطبيعية ، وهو نظام يسعى بشكل قسري إلى تكييف الطبيعية البشرية لمقتضياته وهياكله عنوة ... الأمر الذي لا يستقيم ومنطق الحياة البشرية التي ترفض الاستغلال وتنبذ الاحتكار .. فالرأسمالية ـ وإن استطاعت إن تعيش وتبقى ردحآً من الزمن ـ ليس بمقدروها أن تصمد إلى مالا نهاية .. إذ أن الإدعاء الرأسمالي بأن الرأسمالية هي النظام المثالي يشهد اليوم سقوطاً مريعآً يقوده إلى النهاية ، بل أن نهاية الرأسمالية كارثية ، على أية حال الرأسمالية لا تعيش اليوم أزمة عارضة وعابرة ، ولا تعيش كما يدعي البعض أزمة ثقة ، بل أنها تعيش أزمة النهاية التي سوف تحيلها بكل تأكيد إلى الخروج من دائرة التاريخ الإنساني غير مأسوف عليها من أحد .. والذين هللوا للرأسمالية وفق اطروحات نهاية التاريخ عقب سقوط الاتحاد السوفيتي وانهيار المنظومة الماركسية يستحضرون اليوم الدروس وهم يقفون على أعتاب نهاية الرأسمالية ، كثير منهم تراجعوا عن مقولاتهم وفي مقدمتهم فرنسيس فوكوياما الذي هلل كثيراً للرجل الليبرالي الأخير الذي يسير اليوم نحو حتفه بقدميه .