تطور السكان ـالديمقرافيا ـ في البلدان الغنية ، ساهم أيضاً في التحولات المالية ، فيما بعد الحرب. البلدان المتطورة شهدت صدمة سكانية ، مهمة ، تمثلت في زيادة ـ مؤقتة ـ في الخصوبة وفي المواليد ، وكانت في اصل انطلاق سكاني مهم . والذي شارك في دينامية السنوات الثلاثين المجيدة . اليوم هذه البلدان بدأت تتكبد صدمة مضادة سكانية ، والتي ترجمت في شيخوخة السكان، نتاج ثلاثة عوامل : انخفاض الخصوبة ،والتي عادت إلى مستواها ما قبل الصدمة السكانية ووصول اجيال عدة إلى سن التقاعد ، وزيادة طول العمر.و الذي في خمسين سنة ، انتقل من 63 سنة إلى 74 سنة ، بالنسبة للذكور ، ومن 68 سنة إلى 82 سنة بالنسبة للنساء .إذا رجعنا إلى ماتقدمه مؤسسات الإحصاء ، نجد حصة الأكبر من 60 سنة ، في السكان ، ارتفعت إلى 16.2% عام 19..50% عام 90و 6،20 % عام 2000 ، وسوف تصل 1،31 % عام 2030 ، ويجب أن تكون 35% عام 2050 شيخوخة السكان هذه ظاهرة تشهدها مختلف البلدان المتطورة ، مثل اليابان ، والولايات المتحدة . هذه الصدمة السكانية المضادة ، تؤثر على سلوكيات الادخار ، وهنا تلحق المالية بالديمقرافيا ، وفق الفرضية المسماة « دورة الحياة » معدل الادخار، أعني الجزء المدخر من الدخل يتنوع ، وفق العمر ، هكذا معدل الادخار يكون متواضعاً خلال الجزء الأول من الحياة النشطة ، ذلك لأن الأكثر شباباً يدخرون قليلاً ، ويقترضون من أجل الاستهلاك وتربية أطفالهم . ثم يصير الادخار في حده الأقصى ، عند الفئة العمرية من 40 إلى 65 سنة ، حيث الأفراد ، في سن النضج يستعدون للتقاعد . لكي ينخفض معدل الادخار ، بعد ذلك ، عند التقاعد ، عندها الأكبر سناً يستهلكون مدخراتهم . بالنسبة لفرنسا ، مثلا ، معدل الادخار الخام ، عند الأسر ، هو 5،14% عند الفئة العمرية من 30 إلى 49 سنة ، و 18% من 50 إلى 59 سنة . نفس الشيء ، المدخرات بالنسبة للدخل ، كانت 5،3 من 30 إلى 49 سنة ، و 6 فيما فوق 60 سنة ، حصة الممتلكات المالية تنتقل من 35% إلى حوالي 60% بالنسبة لنفس الفئات العمرية . ينتج عن هذا التحليل ، أنه في مستوى الاقتصاد الكلي ، شيخوخة السكان تؤدي إلى زيادة معدلات الادخار المالي عند الأسر في البلدان الغنية .
الاستثمارات المؤسساتية: إحدى نتائج التراكم المالي المتعاظم ، عند الأسر ، في البلدان الغنية ، كانت ظهور وتطور الإدارة الجماعية للادخار . الأرصدة المالية ، ملك الخواص ، لكي يمولوا تقاعدهم ، مثلا ، صارت تدار أكثر فأكثر بواسطة صناديق الاستثمار، المسماة : مستثمرون مؤسساتيون . يمكن تمييز ثلاثة أنماط من هذه الاستثمارات المؤسساتية : ـ صناديق التقاعد التي تدير الادخار التقاعدي ، في البلدان حيث يقوم التقاعد على نظام الرسملة .الولايات المتحدة ، بريطانيا . ـ شركات التأمين. ـ صناديق التبادلية ، أو ما يسمى شركات استثمار رأسمال متنوع ـ Sicav في فرنسا ـ لكن من بين هذه الاستثمارات المؤسساتية ، نجد صناديق التقاعد، هي المستثمر الأكثر أهمية على مستوى العالم . وهذه الصناديق يملك فيها المدخرون الأمريكان أكثر من 70%. ثقل وأهمية الاستثمارات المؤسساتية ، ازدادت جداً في الاقتصاد العالمي ، مجموع أموالها يزيد عن 30000 مليار دولار في بداية عام 2000 ، الذي يتجاوز مجموع الناتج المحلي الخام للبلدان الصناعية الرئيسية نمو هذه الأموال كان سريعاً جداً + 100% من عام 1990. ونلاحظ أيضاً أن ملكية هذه الأموال ، ليست موزعة بعدالة حتى بين البلدان المتطورة : تقريباً 60% الولايات المتحدة ، مقابل 11% اليابان ، 10% بريطانيا ، 5،5% فرنسا ، 5% ألمانيا. جزء من المحفظة التي تديرها الاستثمارات المؤسساتية ، حوالي 10% من المتوسط ، مستثمر في سندات أجنبية ، من أجل تنويع المخاطر ، وهذا يرتب حركات دولية للرأسمال . إحدى نتائج الإدارة الجماعية ـ المؤسساتية للادخار ذات الآثار السلبية ، المهمة ، بالنسبة لأداء الرأسمالية ، هي تركز ملكية رأسمال الشركات ، في أيدي عدد قليل من المستثمرين ،الذين صار نفوذهم قوياً على مستوى العالم . الاستثمارات المؤسساتية من حيث أهميتها ، تمارس تأثيراً على دينامية الأسواق المالية ، إنها تساهم بشكل خاص في عدم الاستقرار المالي الدولي ، بسبب سلوكها الجماعي ، إذ نلاحظ في الواقع تجانساً كبيراً في سلوكيات مديري الصناديق ،لأن هؤلاء يجري تقييم أدائهم وفق معايير نمطية : مرجعيات السوق . المديرون هكذا ، يتبعون نفس استراتيجيات نظرائهم ، الذي يرتب سلوكيات قائمة على التقليد. ثمة مصدر آخر يفسر انضباطيتهم ، يرتبط بأسلوب توظيف الأموال ، المديرون يقررون توظيف الأموال ، باحثين عن إعادة إنتاج المؤشرات المرجعية الأساسية ، أي مؤشرات البورصات . الذي يقود هؤلاء الفعلة إلى شراء وبيع نفس السندات في نفس اللحظة ، وهذا يفسر ، إلى حد كبير ، العملية التراكمية ، التي ترتب عدم استقرار مستمر في الأسواق المالية . موقفان من العولمة المالية : بالنسبة لأنصارها ، العولمة يجب أن يترتب عنها خيرات مهمة بالنسبة للعالم . تطور التبادل ، بالنسبة لهم ، هو مصدر نمو ،الذي يجب أن يتيح للبلدان الأقل تقدم تجاوز تخلفها، العولمة المالية عندما تشجع توظيفاً أفضل للموارد ، وعلى مستوى عالمي ، فإنها هكذا تحفز القطاعات والبلدان الأكثر ديناميكية . وفق هذا التصور ، ادخار بلدان الشمال يجب أن يستثمر ، منطقياً ، بشكل واسع ، في بلدان الجنوب ، التي تملك إمكانيات تطور هي الأكثر أهمية . هذا الموقف المتفائل ، يقوم على فرضية ، إنه في الظروف الاعتيادية ، تتوجه الأسواق المالية ، تلقائياً نحو التوازن ، وتحقق توظيفاً أقصى للموارد المالية على مستوى العالم . في هذه الأسواق، يجد الفعلة حافزاً من أجل الاستخدام الأمثل لكل المعلومات المتوفرة ، وفق نظرية فاعلية الأسواق ، التي ترتبت مباشرة عن النظرية الكلاسيكية الجديدة ، اختلالات المجال المالي ، تفسر أساساً بوجود عوائق أمام حرية انتقال الرساميل ، مثل سياسات التنظيم العمومية . ويخلصون هكذا إلى ضرورة إلغاء كل عوائق أمام حرية انتقال الرساميل ، الذي يقود ، في نظرهم ، إلى التوازن التلقائي . موقف آخر من المالية ، أقل تفاؤلاً الذى يستلهم كينز ، يذهب إلى أن الأسواق المالية ، تتصف بنواقص مهمة ، التي تقود إلى عدم استقرارها . اختلال الأسواق هكذا ليس بسبب العوائق أمام حرية انتقال الرساميل ، وليس بسبب التنظيمات العمومية ، وإنما يرجع إلى عوامل في الأسواق نفسها. الرساميل ، في النظرية الكينزية الحديثة ، التي يدافع عنها خاصة جوزيف ستيقيز ، لكي يحسن توظيفها ، تتطلب معلومات كاملة . اختلالات الأسواق تتعلق إذن بنوعية المعلومات ، وتتخذ شكل عدم تساوي المعلومات بين القارضين وبين المقترضين . هكذا اختلالات الأسواق المالية ، ترتبط بعدم المساواة في المعلومات ،الذي يمنع الأسواق من تقدير أموالها بشكل صحيح ، وأن تقود ، بشكل فعال ، هذه الأموال ، نحو البلدان والفعلة الاقتصاديين ، الذين بإمكانهم تحقيق الاستثمارات الأكثر إنتاجية . نقص المعلومات يقود الفاعلين إلى اتباع سلوك جماعي وقائم على التقليد ، هكذا عندما لا تتوفر المعلومات يجري تقليد الجار، أملاً في أنه يملك معلومات أكثر ، هذا يفسر لماذا في لحظات معينة . يهرع المستثمرون جماعة نحو بلدان معينة ، نامية . منظوراً إليها على أنها جنة الاستثمارات . ثم ينسحبون من هذه البلدان ، فجأة وجماعة ، إذا شعروا بتهديد ، أو بخطر ، أو أحبطوا بسبب العوائد . وهذا هو أصل الأزمات . الآثار الشاذة للعولمة المالية : عملية العولمة المالية المعاصرة ، تبدو أنها في صالح التحليل الكينزي للمالية . إذ من الملاحظ أن العولمة المالية ، من ناحية ، لم تسمح بحل مشكلة توظيف الموارد على مستوى العالم ، بشكل مرضٍ ، ومن ناحية أخري ، أنها فاقمت عدم استقرار الاقتصاد العالمي ، مؤدية إلى أزمات مالية خطيرة. من الممكن تصنيف بلدان العالم ، في ثلاث مجموعات : البلدان المتطورة ، البلدان في طور النمو ، ومن بين هذه البلدان المدعوة صاعدة . ويمكن طرح السؤال حول توجه الأموال وتوزعها بالنسبة للثلاث مجموعات . إن الجزء الأكبر من التدفق المالي الدولي ، يتركز ما بين البلدان المتطورة الأساسية ، بينما البلدان في طور النمو ، التي تمثل 80% من سكان العالم ، لا تحصل ، هكذا، إلا على جزء يسير من الرساميل التي يجرى تداولها كل عام في العالم . هكذا ، كما كان الحال ، في القرن التاسع عشر، بالنسبة لبلدان العالم الجديد ، تكون العولمة الحالية في صالح تطور مجموعة البلدان المدعوة . حاليا أسواق صاعدة التي تمكنت من الاندماح في التقسيم الدولي للعمل. لكن هذه البلدان الصاعدة ،الواقعة أساساً في آسيا جنوب ـ شرق ، وفي أمريكا اللاتينية ، ووسط أوروبا ، وشرق أوروبا ، بينما لا وجود لها في القارة الإفريقية ، ليست إلا حوالي عشرين بلداً والذي يعني أن أغلبية البلدان في طور النمو ، لم تستفد من العولمة ، وإنما تكبدت الفقر نسبياً ، وأحياناً حتى بشكل مطلق ، مقارنة مع البلدان المتطورة والصاعدة . هكذا عام 2005 ، لم تحصل البلدان في طور النمو إلا على 36% من الاستثمار الأجنبي المباشر، والتي تستخدم في إنشاء مصانع ، أو شراء مصانع محلية ، « الخوصصة». أكثر من هذا، الاستثمار الأجنبي المباشر، يتركز في حوالي عشرة بلدان تسمى صاعدة ، على رأسها الصين والبرازيل . من ناحية البلدان الأشد فقرا ، وهي 47 بلد، حيث الدخل لكل فرد ، لايتجاوز 730 دولار في السنة لا تحصل إلا على جزء يسير من الاستثمار الأجنبي المباشر، في العالم . هكذا بالنسبة لهذه البلدان ، المساعدات العمومية للتطور apd مساعدات حكومية ـ هي المصدر الأساسي للتمويل الخارجي ، لكن البلدان الأكثر ثراء لم تف بالتزاماتها ، المساعدات العمومية التي صرفت لاتمثل إلا 2،0% من الدخل المحلي الخام ، في البلدان الغنية ، بينما كانت قد التزمت بأن تجعل هذه المساعدات 7،0% معظم البلدان في طور النمو ، شهدت هكذا عجوزات هائلة في مدفوعاتها الخارجية . الذي ترجم في تفاقم ديونها الخارجية . حجم هذه الديون تضاعف أربعين مرة ، في 35 سنة ، منتقلاً من 70 إلى 2800 مليار دولار، من عام 1970 إلى عام 2005ما تسدده بلدان الجنوب هذه ، في شكل تكاليف ديونها ( فوائد + سداد الدين » لم يتوقف عن الصعود ، لكي يتجاوز 450 مليار دولار عام 2004 ، أي خمس مرات أكثر من المبلغ الرسمي للمساعدات العمومية للتطور ، وهو 79 مليار دولار . عندما نأخذ مجموع التدفق المالي ، وخاصة العمليات المرتبطة بالديون المشار إليها ، نلاحظ أن البلدان في طور النمو ، تقدم رساميلا للبلدان المتطورة ، أكثر مما تحصل عليه منها . وفي كلمات أخرى ، وبشكل عام ، البلدان الأقل تقدماً تمول البلدان الأكثر ثراء . من ناحية أخرى ، استخدمت الديون التي تثقل كاهل البلدان في طور النمو ، من أجل تغيير سياساتها الاقتصادية والاجتماعية . هذه البلدان ، عندما تطلب مساعدة المصرف الدولي ، وصندوق النقد الدولي ، فإنها تتعهد مقابل المساعدة ، الانخراط في عملية العولمة . هل يمكن في هذه الشروط اعتبار أن العولمة تساهم في توظيف فعال وعادل للموارد المالية على مستوى العالم ؟. في الواقع ، تحصل الولايات المتحدة على الجزء الأكبر من المالية العالمية . هذا البلد يملك ميزة أنه يصدر العملة العالمية الأساسية ، والتي يدعوها الاقتصاديون « حق السيد » . الدولار هو العملة الأكثر استعمالاً في العمليات التجارية والمالية ، في العالم . هذه الميزة أتاحت للولايات المتحدة ، حتى الآن ، أن تقترض تقريباً بدون حدود ، من البلدان الأجنبية ، عجز الحسابات الخارجية الجارية ، في الولايات المتحدة ، انتقل من 210 مليار دولار عام 1998 إلى أكثر من 800 مليار دولار عام 2006 ، أي أكثر من 6% من الناتج المحلي الخام للولايات المتحدة . هذه العجوزات تتعلق بدخول صافي لرساميل جاءت تغذي الآلة الإنتاجية الأميركية . هكذا يمكن القول إنه بفضل وضعها المهيمن في النظام المالي العالمي ، تعمل الولايات المتحدة كآلة شفط هائلة ، تجذب الادخار العالمي .. كما أنها في أصل حرمان البلدان في طور النمو .