منذ عدة أشهر يدور الحديث حول أزمة متصاعدة بقطاع العقارات في أكبر الاقتصاديات الرأسمالية في العالم.. اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية العتيد ، ونتيجة لتشابك وترابط أطراف النظام الاقتصادي الرأسمالي سواء من حيث ترابط فروع هذا الاقتصاد مع بعضه البعض أم من حيث ارتباط هذا النظام مع بقية النظم الرأسمالية الغربية حيث جعل عدوى أزمة العقارات تنتقل وبطريقة دراماتيكية وفي مراحلها الأولية من قطاع العقارات إلى قطاع المصارف والمؤسسات المالية الأمريكية محدثة عسر سيولة مالية ما لبثت أن تحولت إلى إعصار مدمر أدى إلى إفلاس مؤسسات مالية ومصرفية عملاقة ،
ثم انتقلت الأزمة كمرحلة ثانية من أزمة مالية داخلية أو محلية إلى أزمة مالية عالمية هزت العالم من أدناه إلى أقصاه أو بالأحرى هزت النظام الرأسمالي برمته . فما هي هذه الأزمة ؟.. هل هي مجرد عسر سيولة مالية .. كما هو ظاهر أمامنا للوهلة الأولى ؟.. أم هي مؤشر على إفلاس نظام اقتصادي ؟..اعتقد البعض أن ذلك النمط الرأسمالي للاقتصاد يمثل نهاية للتاريخ بحسب تعبير فرانسيس فوكوياما . إن هذه الأزمة الاقتصادية وهذه الجلبة التي أحدثتها تذكرنا بالركود العظيم أو الكساد الكبير ـ كما يسميه البعض ـ الذي حدث في نهاية العقد الثالث من القرن العشرين .. تلك الأزمة التي هزت الاقتصاد الرأسمالي آنذاك بل كادت تقضي عليه ، وهي بالفعل قضت على الأسس الفكرية التي تأسست وترعرعت عليها الرأسمالية لعدة قرون ، نقصد تلك الأسس الليبرالية التي حرصت على تثبت دولة الحد الأدنى بمعنى الدولة التي تسهر على تأمين الحدود وحفظ الأمن وتمتنع عن أي تدخل في النشاط الاقتصادي حيث أثبتت أزمة الثلاثينيات من القرن المنصرم بما لا يدع مجالاً للشك أن تلك الأسس باطلة وأنه لانتعاش الدورة الاقتصادية وحمايتها من الأزمات لا مناص من تدخل الدولة للحد من تلك الآثار المدمرة للاتجاه الرأسمالي المنفلت .. وبالتالي أخذت تتبلور أمام أنظار العالم رأسمالية جديدة .. رأسمالية لا تمانع من تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي إلى حد ما ـ طبعاً بمعنى أكثر وضوح ـ نهج جديد للرأسمالية وهذا هو الشعار الذي رفعه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الأسبق فرانلكين روزفلت في حملته الانتخابية للعام 1932 مسيحي ، أما الأزمة الجديدة التي استعر أوارها هذه الأيام في النظام الرأسمالي نجدها أزمة مالية ناتجة عن غياب السيولة بالأسواق المالية ، بيد أن تدخل الدولة في توفير السيولة في الأسواق وبأرقام فلكية تصل إلى 700 مليار دولار وهي القيمة التي حددها الرئيس جورج بوش لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي وأقرها الكونغرس بتاريخ 3 التمور 2008 مسيحي يجعل من أكبر دولة رأسمالية تدخل في أشبه ما يكون بعملية تأميم للمصارف والمؤسسات المالية ، وذلك من خلال السياسة التدخلية التي ستفرضها الحكومة الأمريكية على تلك المصارف والمؤسسات المالية مقابل دعمها بالأموال وهو ما يعني انهيار الرأسمالية التقليدية في شقها المالي وإيذانا بقيام رأسمالية الدولة ، ربما يتساءل البعض ما هو الخطأ أو العيب في تدخل الدولة ومساهمتها في وضع حد للأزمة المالية المتفاقمة إذا كانت قدراتها الاقتصادية تسمح لها بذلك ؟ وللإجابة عن هذا السؤال لابد لنا من التطرق إلى عناصر الإنتاج في العملية الإنتاجية الرأسمالية وعوائدها حيث يتم تقسيم عناصر الإنتاج في الفكر الرأسمالي إلى أربعة عناصر ، كل منها يتحصل على عائد نظير اشتراكه في العملية الإنتاجية ، فالمواد الخام يكون عائدها ريع - وهو عائد إيجار الأرض أو ثمن المواد الخام - وعنصر العمل يكون عائده أجر ، وعنصر المنظم يكون عائده ربح ، أما رأس المال فيكون عائده فائدة أو ما يطلق عليه وفق الفقه الإسلامي « الربا ». وبالتالي كل نظام رأسمالي هو بالضرورة نظام ربوي يعتمد على الفائدة المتحققة من تأجير رأس المال ، وهذه العملية - عملية تأجير رأس المال - هي من أسس النظام الرأسمالي ، حيث إن رأس المال يحقق مكاسب ذاتية بغض النظر عن نجاح أو تعثر العملية الإنتاجية ، وملكية رأس المال في النظام الرأسمالي هي ملكية خاصة لا علاقة للدولة بها .والأزمة المالية الحالية والطرق المطروحة لمعالجتها تدور كلها حول رأس المال ، حيث جاءت هذه الأزمة متأثرة بعملية إقراض مالي من مصارف ومؤسسات مالية أمريكية لمبالغ ضخمة من المال تم دفعها في عمليات مضاربة في قطاع العقارات ونتيجة لانهيار قطاع العقارات فقد الدائنون القدرة على توفير السيولة لتسديد ديونهم لتلك المصارف ونتيجة لضخامة تلك المبالغ المستدانة أضحى من العسير على تلك المصارف توفير السيولة النقدية لعملائها بل عجزت حتى عن تغطية ودائعهم ، الأمر الذي اضطرها إلى إعلان إفلاسها ولم تجد الحكومة الأمريكية أمامها إلا أحد خيارين ، إما أن تقبل انهيار وإفلاس تلك المؤسسات المالية العملاقة وبالتالي تتحمل تبعات تلك الانهيارات من عدم توفر سيولة مالية كافية في الأسواق وربما فقدان الثقة في النظام المصرفي بعمومه وما ينجم عن ذلك من فوضى اقتصادية عارمة وهي على أية حال فوضى مقبولة في نظام اقتصادي رأسمالي حر فمثلما كان تكديس الأموال في جيوب أولئك المرابين من أصحاب تلك المؤسسات المالية أمراً مقبولاً وصحيحاً ضمن الدورة الاقتصادية الرأسمالية يكون أمر إفلاسهم وانهيار مؤسساتهم المالية هو أيضاً أمراً مقبولاً . أما الخيار الثاني وهو الذي اختارته الحكومة الأمريكية المتمثل في تدخل الدولة في أكبر عملية دعم مالي لهذه المؤسسات المنهارة وبالتالي تصبح هذه المؤسسات خاضعة للدولة من خلال إجراءات قانونية سوف تفرضها الدولة على هذه المؤسسات مقابل تقديم الدعم المالي وبالتالي يتحول المشهد الاقتصادي إلى أشبه ما يكون برأسمالية الدولة في القطاع المالي ، بيد أنها رأسمالية دولة لا تكترث بتحقيق العدالة الاجتماعية وهي موضع الاعتبارفي رأسمالية الدولة التقليدية هكذا وضع اقتصادي وما سيحدثه من تحولات اقتصادية كبرى في نظام اقتصادي اعتقد البعض بخلوده هو ما دفع قطاعاً كبيراً من المجتمع الأمريكي لرفض خطة الإنقاذ تلك ، ليس حبا في النظام الرأسمالي ولكن دفاعاً عن مصالحهم ، وللمفارقة جاء الرفض من طبقتين اجتماعيتين متناقضتين ولأسباب مختلفة حيث رفضت الطبقة الدنيا التي تمثل أغلبية الشعب الأمريكي خطة الإنقاذ لما رأت فيها من دعم للطبقة البرجوازية المتوسطة لحمايتها من الانهيار والإفلاس بأموال كان يفترض أن تقدم لأفراد هذه الطبقة عن طريق دعم مجالات الخدمة الاجتماعية من تعليم وصحة وضمان اجتماعي بما يحقق الرفاه والأمن الاجتماعي ، بمعنى دعم الأغنياء بأموال كان يجب أن تخصص للفقراءِ .. كما رفضت نخبة الطبقة البرجوازية - أثرى الأثرياء - تلك الخطة لما رأت في تدخل الدولة في القطاع المالي من مساس بأهم مرتكزات النظام الرأسمالي من خلال القضاء على سوق مربح لهذه الطبقة ألا وهو سوق الفائدة ، لذلك نجد أن خطة الرئيس جورج بوش لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي ولدت ولادة متعسرة بل ربما ولادة قيصرية من رحم الكونغرس الأمريكي كون ذلك التشريع الذي مرره الكونغرس على مضض لم يكن تشريعاً نمطياً بل من شأنه أن يعمق أزمة النظام الاقتصادي الرأسمالي ، وقد أشار المفكر معمر القذافي إلى فساد وانحراف النظم التقليدية منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود من الزمن ودعاها إلى طريق الخلاص من خلال تبني الأطروحات التي قدمتها النظرية العالمية الثالثة والتي تعتمد في معالجتها للقضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية على القواعد الطبيعية باعتبارها هي المقياس والمرجع والمصدر الوحيد في العلاقات الإنسانية .. وبالتالي يمكننا القول وبكل ثقة إن الأزمة المالية هي أزمة النظام الرأسمالي الذي بات يترنح تحت وقع أزماته المزمنة واخـــتناقاته الدائمة .