رذائل رأس المال يعتبر ناشر هذا الكتاب ( فلترنييلي) من أكبر مؤيدي الاتجاه اليساري في الستينيات والسبعينيات ، حيث عرف بمقاومته الاتجاه اليميني حتى مماته الذي أذهل كل الأوساط الثقافية في العالم ، وقد عرف في تلك السنوات البعيدة بالتزامه تجاه مايؤمن به ، ووظفه في شكل دعم مادي ومعنوي لجملة من الخيارات التي تتلاءم مع مبادئه التي رسمها منذ سنوات شبـابه . لذا فلم يكن غريبا أن تنشر مؤسسة( فلترنييلي) هذا الكتاب المتميز للكاتب ( امبيرتو غالمبرني ) ، من حيث المضمون ، وهو الذي يلتقي مع خط الراحل ( فلترنييلي ) العدو اللدود لرأس المال حتى الموت . هذا النهج الذي اعتمده الناشر الإيطالي ، لسنوات طويلة التقى معه فيه المؤلف (امبيرتو غالمبرني) الذي أسس في كتابه الصغير 128 صفحة لجعله نقطة للالتقاء لفهم المجتمع وفلسفته من خلال محاكاة أو استلهام فكرة كتابه من مقال قديم يرجع تاريخه إلى القرن الثامن عشر بعنوان ( رذائل خصوصية.. مزايا عمومية) لبرنارد دي ماندفيل ، مستنتجا منه الفضائل والمشاعر الطيبة التي لايمكن اعتبارها أساسا لأي مجتمع ، في حين يعتبر ( الرذائل) محطة أخلاقية واجتماعية مكنت البشر من العيش في جماعات منتظمة قائمة على العلاقات المتبادلة . فالتوافق المعنوي الذي يربط الناشر اليساري فلترنييلي بأمبيرتو غالمبرتي ، يقابله لقاء روحي فلسفي فكري بين الأخير وملهمـــه ( ماندفيل) جسده في كتابه بطريقة مزدوجة في شقين مستندا في ذلك إلى فلسفة ( ماندفيل ) التي طرحها ضمن الاعتقاد السائد بأن الرذائل الإنسانية وليست الفضائل ) هي التي تحظى بأهمية جوهرية لاقتصاديات أي بلد ، وهو أمر لايساعد على النمو الاقتصادي المستند إلى إشباع حاجات الناس ورذائلهم !! وبهذا جسّم الكاتب الإيطالي غالمبرتي هذه القناعة من خلال الشقين لتوصيف المجتمع الأوروبي في كبائره التقليدية محدداً إياها في الحسد ، والكبرياء ، والغضب، والجشع ، والشهوانية ، والكسل ، والنهم ، ليقابلها بالكبائر السبعة ( الجديدة ) المنتقاة في المجتمع الأوروبي المتمثلة في النمطية ، والاستغراق في الجنس ، والإنكار ، والوقاحة ، والخواء ، والأختلالات العصبية ، وثقافة اقتصاد السوق الاستهلاكية.. حقيقة لقد أوجز الكاتب في اسماء بعينها كل شرور العولمة التي تجسدت في نظرة البؤس والهلاك للمجتمع الغربي بالذات وللمجتمعات الأخرى قاطبة وهنا يضع الكاتب إصبعه في عمق الجراح المؤلمة للمجتمع الأوروبي ، من حيث صعوبة التوفيق بين أخلاقيات التواضع والخضوع التي جاءت بها الديانة المسيحية وبين ثقافة اقتصاد السوق الاستهلاكية التي تعم مجتمعات اليوم ، غير أن مايراه المؤلف يبقي مسألة الرذائل بمثابة الوقود غير المباشر للجموح التطوري الذي شهدته المجتمعات الأوروبية ، وأن الانفكاك من أسر الفضائل الدينية بمجدداتها وضوابطها المعروفة قد تترك للفرد فرصة الانطلاق بلاقيود تجاه أخلاقيات معينة تعبث بالمجتمعات في شكل استهتاري لامثيل له مجسداً المعني في تلك الصلة الوثيقة الرابطة بين أفول الحضارات عند انحدارها الأخلاقي . إن الرابط الذي جمع بين (ماندفيل وغالمبرتي) على الرغم من تباعد الزمن بينهما هو في حد ذاته تأصيل لأولويات ومنطلقات تفاهما فيهما من خلال سلم المسار المزدحم بالفعل المشين للفرد الذي يستقيه من حضارة أوروبية منهكة حتى النخاع في خضم أفعال تضع منطلقاتها الأساسية(الرذيلة) عنصراً رئيسياً لبهرجة تلك الرفاهية والتقدم في شكلها القائم اليوم، لذا فإننا لو حاولنا الانتقاء من هذه الأساسيات التي اكتملت بها هذه الحضارة في رذائلها لوجدنا أن الوقاحة في الفعل والقول اقترنت بعوامل أخرى ملازمة للفرد مليئة بانعدام الحياة وعدم الشعور بالحرج فعلا أو قولا ، وأن هذه المظهرية تأتي من خلال طبيعة استهلاكية فجة حددت معالمها في أدوات بعينها لاستنفاد الغرض منها بانتهائها ، وهي ممارسات في حق النفس والأشياء ، تنتقل بقدرة قادر بالفرد للاستهتار بالقيم الأخلاقية لتجعله محض أداة استهلاكية مرتبطاً كليا بمايسمى بثقافة اقتصاد السوق ، التي تلتقي مع الرذائل الأخرى لتجدير المفاهيم للإتيان بما لايخجل منه الفرد في مجتمعاته تاركا عناصر بذاتها متمثلة في الألم ، والمرض والفقر للشأن الذاتي كخصوصية جوهرية لشخصية وحرية الفرد ، كما تصنف اليوم في المفهوم الأوروبي ! فهذه العناصر المختزلة في شكل متوازٍ إلى ما لا نهاية من نمطية الاستهلاك والاستغراق في الفعل المشين ، والوقاحة ، التي أفرغت الوعاء من محتواه ليطال النخبة الشبابية بالخواء الفكري والثقافي والديني المتميز بشعور الاستسلام غير القادر على استنباط منهج تلتقي فيه القيم الأخلاقية لتكون قدوة يهتدى بها ، باعتبار أن المطروح على الساحة هو نتاج الواضح في رؤياهم!! لذا فمن نافلة القول أن يستقيم الفرد الأوروبي في ممارساته اليومية والعود أعوج! لأن المنطلقات المحددة لتحقيق الهدف اعتمدت في شكلها العام على الرذائل، فصارت أمراضا أصابت الروح في مكمن قاتل ، ليصفها أرسطو بأنها الطبيعة الثابتة للإنسان نتيجة اتباعه المنهج الخاطئ في مساره الحياتي ، إلى أن يلتقي هذا الوصف بإشارة الفيلســوف الألمــــانــــــي ( كانط) في القرن التاسع عشر بأن الرذيلة جزء من الشخصية الإنسانية التي تصيب الروح غير المتحصنة بالإيمان وهو مايراه الكاتب ساريا في الكيان الغربي ! ومن هنا نرى الكاتب يجرد هذه الرذائل من مفهومها وخلقيتها التاريخية المعتمدة في سياق الكتاب ليصنفها تحت منظور الصفة الجديدة في مضمونها ومحتواها للفرد الأوروبي المعاصر المعادي لكل مايمت بصلة للأخلاق النابعة من حضارة اليوم والمجسمة في الفعل المتداول والمصبوغ بالرذائل دون أن يكون هنالك شأن ذا قيمة لأي فضيلة . وفي نهاية المطاف لهذا الكتاب الممهور بصفة الرذيلة لهذا العصر الاقتصادي نجد أن الكاتب لايألو جهدا في وضع هذه الصفات المتدنية في الفعل ، بمصاف الشأن الفلسفي الذي يعتبره الفصل المنهجي بين الرذائل كونها عادات سيئة وبين النمو الاقتصادي الذي يعتبره سلوكا مشينا في المجتمع الغربي بالذات !
( المحرر)
تأويل من باب التفاؤل
هنالك من يبالغ في القول في هذه المرحلة الخطيرة من الأزمة المالية التي تعم العالم بأسره ، بأن الرأسمالية تستطيع أن تحيا من جديد ، لتجدد نفسها ، مقسمين الرأسمالية الليبرالية إلى ثلاثة قواطع أمريكية ، وأوروبية ، وآسيوية ولا أدري مدى صحة هذا اللغط الذي يذكرني بذلك السلوك الشعبي الذي يضفي صفة القداسة على أشخاص عاثوا في الأرض فساداً وبموتهم ألبسوهم حلة النزاهة ! هذا هو المفهوم الذي ينطلق منه منظرونا العرب ، عندما امتلأت الصحف بآرائهم الفجة والعقيمة خلال الأزمة الراهنة ، باحثين للميت عن كرامة علها تمحي مآسيه ، إنه تأويل من باب التفاؤل الذي يتمتع به منظرونا العرب ، الاقتصاديون والسياسيون على السواء كنوع من التكفير عن الذنوب بالطريقة العربية !أو أنه محض تعتيم على واقع مر يريدون له البقاء أياماً معدودات أخرى ، إنهم بهذا التسويق الذي لايلتقي مع تفاهة البضاعة المسوقة نتيجة اضمحلال ثوابت الارتقاء في حيز حزمة المكونات لأولويات قد نراها مرتبطة في أساسياتها بقواعد حرية المعلومات المنقولة وتأكيد الشفافية الباعثة لتسكين المعايير ، إضافة إلى ذلك مصداقية الفعل والتفاعل مع الآخر التي هي غير موجودة أصلا من خلال المحك العملي مع هذا النظام الذي ينشدون له الاستمرارية (بالتمني) لأن المعالجات التي تتم اليوم على الساحة ماهي إلا حفنة من المسكنات يعتقد فيها البعض الوسيلة المثلى لإصلاح شرخ سعته الأولية بثلاثة تريليون دولار يجب أن توظف في رتق هوة الحرب في العراق وأفغانستان ، إضافة إلى ديون الدولة المقدرة مبدئياً بقيمة 15 تريليون دولار لم تدخل فيها ديون المؤسسات المصرفية والمالية والتأمينية والصناعية المفلسة التي يشكل فيها المواطن الأمريكي نصيب الأسد ، والأجنبي نصيب القرد الذي سوف لاترد إليه أمواله التي أهدرت جزافا ، هذه هي الرأسمالية الأمريكية التي يبكيها كتابنا الاقتصاديون العرب ، أما الأوروبيون الذين يتظاهرون برباطة الجأش فلم يكونوا أسعد حالاً حتى ولو تظاهروا بالابتسامات المغتصبة الموزعة على الشاشات الفضائية كما شبهها صديقنا الاقتصادي المحنك (إنريكو فابري ) تعليقاً على اجتماع السبعة في باريس ، إن الأزمة القائمة ليست في حد ذاتها بأزمة مادية محضة يفعل فيها المال السحر الكفيل بإنهائها الفوري ، بل هي أزمة أخلاقية حادة عنصرها الرئيس الإنسان ، والفرعي الأيديولوجية التي قام عليها هذا النظام الرأسمالي المعتقد بصلاحه وهو ما لايتفق مع مفهوم العقل الراحج الذي يبتغي إصلاح الكيان الإنساني الحاوي للأيديولوجية القائم عليها النظام ، وأن ذلك لايتأتى بين ليلة وضحاها كالعنقاء المنبثقة من الرماد ، والشيء الجوهري المغض عنه الطرف أن الأسس التي قامت عليها الرأسمالية الأمريكية بالذات ، والتي يطلق عليها البنى التحتية أضحت متهالكة إلى حد الانهيار ، هذه البني التحتية القائم عليها كل ماهو متطور ومتقدم في النظام الأمريكي ، وهو مايجهله المنظرون العاشقون للرأسمالية الغربية . لذا فإن النظرة يجب أن تنطلق من شمولية الأزمة وعمقها والبحث في جوهر أساسياتها الدالة على انتهاء كينونة البقاء لمثل هذا النظام وليس من باب الاعتقاد والجنوح الفكري الذي يدخلنا في متاهات الجدلية الفكرية بدلاً من الواقعية الاقتصادية التي تجعل من توافق الأرقام السبيل للوصول إلى الحقيقة. والغريب في الأمر أن منظرينا العرب المدافعين عن الكيان الرأسمالي ساعون بكل قدراتهم لشحن ازدواجية عجيبة لخدمة الغموض في خضم هذه الأزمة المستفحلة التي تتطلب الوضوح الكلي للخروج منها بأقل الخسائر الممكنة ، بدلاً من التكهنات الأيديولوجية المستحدثة منهم التي نراهم يلهجون بها على شاشات الفضائيات المتعددة !!. بقلم :عبدالرزاق العاقل
الوسيلة المثلى بعد تفاقم الأزمة المالية والاقتصادية ، طالبت المصارف الإماراتية بإلحاح من السلطة النقدية في البلاد ، بالدعم لمواجهة الأزمة بطريقة فعالة يكون من عناصرها ضخ السيولة الكفيلة بتحاشي التداعيات المؤثرة في الأسواق ، وقد تم ذلك من خلال مبلغ قدره 14 مليار دولار في الأسبوع الماضي ، إلا أن ذلك المبلغ يراه المراقبون غير كافٍ لحل شح السيولة نتيجة القيود والشروط الصعبة التي ستضطرها لتحجيم أنشطتها ورفع معدلات سعر الفائدة على القروض ما يشكل أعباءً إضافية على المقترضين . ومن جهة أخرى فقد خصص المصرف المركزي الإماراتي تسهيلات للمصارف العاملة في القطاع لاستخدامها قروضاً أستثنائية بهدف تخفيف التواترات التي كان مبعثها هروب 90% من أموال المضاربة الأجنبية خارج البلاد ، وهو ما قدرته الأوساط الاقتصادية بنحو 48 مليار دولار ، ما يؤكد الاعتقاد بأن السماح للرأسمال الأجنبي للدخول غير المشروط إلى مناطق الاستثمار في الدول العربية ، هو بمثابة الانتحار الذي يفرزه التدخل المالي الأجنبي وقت الهدوء والانسحاب المفاجئ عندالشعور بالأزمة تاركين البلد تتصارع مع مصيرها . ولولا القدرة المالية التي استخدمت بكثافة كبيرة لكان الوضع على اختلاف ما هو قائم الآن .
من رواق الأزمة المالية بنظرة خاطفة على الوضع المالي الدولي ، قد نستطيع تحديد معالم المستقبل بشيء من التفاؤل الملبوس بالتحفظ ، لأننا لا نستطيع الفصل بين التصرف الفردي وتصرف الدولة التي يحركها الفرد الاعتباري.. لذا فكلاهما ينطلقان من واعز مشترك يصب في وعاء واحد هو مصلحة الوطن - إذا جاز التعبير في هذه الظروف بالذات- التي اختلط فيها الحابل بالنابل ، نقول إن الإتيان بالفعل مرتبط في أصله بالقدرة والكفاءة وبُعد النظر الثاقب عند تقويم الحدث القائم لأن ما يفهمه المواطن العادي ومرتبطاً يقدمه من حلول بسليقتة أفضل بكثير من غيرها وهي ظاهرة تعاني منها كل المجتمعات .. لذا فإن الأزمة الاقتصادية الأخيرة برهنت بما لا يدعو للشك بأن رفض المواطن لعديد الحلول في بعض البلاد نتيجة تأثرها الشديد بالأزمة برهن على صواب رأيه ودفع الدولة للأخذ به كحل منقذ من كارثة كانت ستحل ( بإيسلندا ) وذلك بتأميمها للقطاع المصرفي ، بناءً على طلب رجل الشارع ، متراجعة عن منهج الخصخصة الذي طبقته ، كحل توافقي بعد فترة ست سنوات عجاف من العذاب أنهتها مع بداية هذه الأزمة التي وضعتها قاب قوسين أو أدنى من الإفلاس ، ليس إفلاس القطاع المصرفي فحسب بل أفلاس الدولة بمجملها وما هذا إلا دليل دامغ بأن انتهاج هــذا المنهـــج ( الخصخصة ) في قطاع اقتصادي مهم مآله السقوط المريع ، لأن التجربة أثبتت بأن القطاع الخاص غير قادر على تحمل مسؤوليته تجاه الوطن في قطاعات مثل هذه إلا بشكل محدوداً للغاية على سبيل التجربة التي لا تضر باقتصاديات الوطن ، وفي حدود الإمكانيات المحلية وليس الأجنبية هذا المنهج التأميمي حذت حذوه بريطانيا الضاربة جذورها في القطاع المصرفي منذ مئات السنين عندما أقدمت أخيراً على تأميم بعض الوحدات المصرفية التي منها ( بي . اند . بي) من خلال تطبيق تشريع ضروري سُن مع بداية أزمة ( نورذرن روك) نتيجة الضغط الشعبي وافضى إلى تأميمات تحت مسميات متعددة وبعملها هذا كونها دولة دشنت مرحلة جديدة من التفكير المغاير لاقتصاد السوق ، الذي أرجع سلطة القطاع العام ( على الرغم من محدوديته المؤقتة) إلى سابق عهدها الذي لا بديل عنه في وقت الشدائد كما يراه الضالعون في عولمة المكان ومؤسسو سياسة اقتصاد السوق . وأخيراً نود القول بأن السياسة الاقتصادية في مجملها ليست قناعة لقوالب متحجرة لا ينزاح عنها ، أو موضة نتغنى بها ، بل هي مرونة شديدة الحساسية يتم تطويعها حسب مصالح وإمكانيات البلد والمواطن ، أليس كذلك ؟.