لا شك أن تداعيات أزمة النظام الرأسمالي التي بدأت من أمريكا طالت الإقتصادات العالمية كافة، بداية من الإقتصاد الأمريكي الذي سقط فاقداً الوعي بعد أن فقد عموده الفقري متمثلاً في نظامه المالي الاستغلالي الذي سمح بعمليات سلب ونهب واحتيال واسعة النطاق، بدّدت مدخرات الأمريكيين، وهددت استقرار ملايين الأسر التي عجزت عن سداد القروض عالية الكلفة فتم طردهم من منازلهم، وأغرقت ملايين أخرى في مسلسل ترف إستهلاكي كاذب يفوق دخلها الحقيقي عدة مرات، حتى أنهم أعلنوا إفلاسهم طلباً للحماية من الدائنين في ظاهرة غير مسبوقة على مدى التاريخ، ومن ثم فقد الإقتصاد الأمريكي ثقة الأمريكيين الذين فقدوا الاستقرار والأمان والحلم، كما فقد الاقتصاد الأمريكي أيضاً ثقة العالم ـ وفي مقدمته أوروبا ـ حيث كان يُعتقد إلى وقت قريب أن أمريكا تملك مفاتيح الحل السحري لكافة المشاكل، باعتبار أنها تملك أقوى اقتصاد في العالم، وقد أكدت الأزمة المالية هشاشته وخواءه، كما طالت الأزمة الاقتصاد الأوروبي التابع الذي يترنح متلمساً النجاة من خلال الاعتماد على شعوب الجنوب التي يعتبرها سوقاً رائجة لبضاعته التي بدأ الكساد يقضمها، وهو حلم بعيد المنال، لأن أسواق الجنوب ستتقلص مساحتها بتأثير الإنكماش الذي بدأ يأخذ طريقه إلى القدرة الشرائية التي نتجت عن الغلاء وارتفاع أسعار المواد الإستهلاكية الأساسية وفي مقدمتها المواد الغذائية، بينما تعيش الإقتصادات النامية تحت تأثير مخدر قوي متمثلاً في بعض السيولة وبعض الإنتاج الذي ما زالت تروسه تدور بعيداً عن تداعيات الأزمة المالية العالمية، لأنه كان بالأساس خارج دائرة الضوء، ولا يعتمد في دورته على أسواق الغرب وبورصاته وآلياته الحادة.
ولعل أخطر ما يتعرض له العالم جراء الأزمة الإقتصادية العالمية من تداعيات لم يطل برأسه على العالم بعد، وإن كانت مقدماته وبوادره قد تبدت من بعيد، فهناك العديد من جبهات الصراع لم تفتح حتى الآن، والعديد من القضايا والأزمات العالمية الأساسية لم تكتمل ملامحها النهائية بعد، ومنها قضايا الغذاء العالمي والنفط والبطالة والهجرة الشرعية وغير الشرعية والمناخ وغيرها الكثير من القضايا الخطيرة التي ستأتي في تسلسل يشكل في خطواته معتركات وصراعات ـ إنسانية ـ ستحدد مساراتها ونتائجها إلى حد كبير ملامح نهاية الأزمة الإقتصادية العالمية، ومن ثم ملامح العالم الجديد الذي سيتمخض عنه هذا الصراع التاريخي، وأغلب الظن أن الصراع سيطال في النهاية مؤسسات الأمم المتحدة إن لم يكن الأمم المتحدة ذاتها، لإعادة صياغتها من جديد. ويأتي على رأس التداعيات الخطيرة القادمة قضايا النفط والغذاء العالمي والبطالة والهجرة وانتقال رأس المال، وبالفعل بدأ الحديث عن النفط حيث قرّرت منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) خفض إنتاج بمعدل 1.5 مليون برميل يوميا في وقت يشهد فيه الطلب على النفط تراجعاً ملحوظاً بسبب الاحتمالات الكبيرة لانخفاض نمو الاقتصاد العالمي، وتراجع الكثير من الاقتصادات الكبيرة مثل اليابان وروسيا والدول الصناعية الكبرى التي تشهد انكماشاً وقد تأكد أنها في طريقها للركود، بينما يعرف إنتاج النفط نمواً في هذه المناطق من خلال استغلال الحقول التي توجد بها والتي كانت تعتبر عديمة الجدوى عندما كانت أسعار النفط لا تتعدى الـ 50 دولاراً
للبرميل وقد تم تنشيطها بعدما شهدت الأسعار ارتفاعاً هائلاً. ويسجل الطلب العالمي على النفط تراجعا بمعدل 1.4 مليون برميل يوميا ابتداء من الربع الثاني من العام الجاري في حين يبلغ انتاج المنظمة الحالي 29.6 مليون برميل يومياً، علاوة على أن إمدادات المعروض من خارج أوبيك وإنتاج الإيثانول وغيره من مصادر الطاقة غير التقليدية ستنمو بمقدار 1.4 مليون برميل يومياً لتفوق الطلب، ومن المتوقع أن تساعد مخزونات النفط المتزايدة في تخفيف آثار أنشطة المضاربة على الأسعار، علاوة على أنه من الملاحظ أن الصين والهند اللتان تتفردان بمعدلات نمو اقتصادي عالية قد تأثرتا إلى حد ما، إلا أنهما سجلتا تراجعاً ملحوظاً في طلبهما على النفط ، فالتقديرات تشير إلى تراجع معدل النمو الإقتصادي في الصين لهذا العام إلى حوالي 9% لأول مرة منذ أكثر من أربع سنوات، وكذا حدث تراجع في معدلات النمو في الهند رغم أنه تراجع طفيف. ومن ناحية أخرى تخشى الدول الصناعية الكبرى من تنسيق الجهود بين منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) وروسيا التي تعتبر ثاني أكبر مصدر للنفط في العالم، بهدف الحفاظ على سعر مرتفع للنفط في الأسواق العالمية، خاصة أن هذا التنسيق لو حدث فإنه يشمل إنتاج نصف كمية النفط العالمية ومن شأن مثل هذا التنسيق أن يؤدي لرفع المخاطر السياسية على السعر، وتأتي الرغبة الروسية في التعاون مع أوبك بسبب ما تشهده العلاقات الروسية الغربية من تراجع بسبب قضايا مثل الصراع في جورجيا، وكان وزير الطاقة الروسي "سيرغي شماتكو" قد قال الأسبوع الماضي في تصريحات له إن موسكو تريد التأثير على الأسعار بنشر توقعات للإنتاج وتأجيل تطوير حقولها، وهو ما أثار احتمال أن تتحكم روسيا بنشاط في الإمدادات، وجدير بالذكر أن روسيا تحضر منذ فترة طويلة اجتماعات أوبك كمراقب، لكنها بعثت بوفد يترأسه نائب رئيس الوزراء لاجتماع أوبك الأخير مطلع الشهر الماضي، ويتوقع إرسال وفد رفيع المستوى كذلك للاجتماع الطارئ الذي سيعقد في الشهر الجاري لدراسة الوضع الحالي. ولعله من المهم الإشارة إلى أن توقع التنسيق بين أوبك وروسيا لم يأت من فراغ، فقد عمقت روسيا مخاوف الدول المستهلكة بشأن أمن إمدادات الطاقة بعد النزاع الذي نشب في شهر هانيبال الماضي (أغسطس) بينها وبين جورجيا، مما أضاف بعدا آخر للمخاطر السياسية المتركزة في الشرق الأوسط ونيجيريا، كما عززت موسكو بالفعل علاقاتها مع العضوين المناهضين للولايات المتحدة في أوبك وهما فنزويلا وإيران في خطوة استباقية تعد مناهضة للغرب. موقف الغرب الغريب وسرعان ما جاء رد الرأسمالية المنهارة على لسان رئيس الوزراء البريطاني "غوردون براون" معتبراً أن خفض إنتاج النفط يعتبر "أمراً مخز"، وقال رئيس الوزراء البريطاني أن من شأن خفض إنتاج النفط الإسهام في رفع أسعاره في وقت يواجه فيه العالم أكبر أزمة مالية منذ عقود، كما أعلن البيت الأبيض إستياءه الشديد من قرار «أوبك» خفض إنتاجها ولا شك أن مثل هذا القول يثير حفيظة الكثير من دول العالم وخاصة دول الجنوب التي عانت ويلات الإحتكار التي فرضت عليها من قبل الغرب بصفة عامة وأمريكا وبريطانيا بصفة خاصة، فالإحتكارات شملت كل شيء حتى الغذاء، وطالت كل شيء حتى الدواء، كما أن تصريحات "براون" تثير الكثير من التساؤلات حول مواقف الغرب بصفة عامة وبريطانيا بصفة خاصة من أزمات العالم وفي مقدمتها أزمة النفط، فمن المعروف أن تصاعد أسعار النفط ـ الذي أشعل الأسعار في العالم ـ لم يكن خيار الدول النفطية، بل كان خياراً استراتيجياً لدول التحالف الغربي الذي تقوده أمريكا وبريطانيا، وقد زاد استهلاك النفط بمعدلات عالية بتأثير فتح الجبهات العسكرية العديدة التي استنزفت
كل الموارد النفطية في العالم وأشعلت أسعاره، فقد كانت أمريكا وحدها تستهلك أكثر من 20 مليون برميل يومياً، علاوة على أن سوق النفط العالمي شهد الكثير من المضاربات التي ساهمت بشكل حاد في رفع الأسعار، كما ساهمت عمليات التخزين الواسعة بالحقن في الآبار الأمريكية في رفع الأسعار، وقد كشف المرشحان ـ الديمقراطي والجمهوري ـ للرئاسة الأمريكية ـ فيما كشفا ـ أن أمريكا استدانت أكثر من 500 مليار دولار من الصين لشراء النفط ـ مضاربة ـ وحقنه في حقولها، ومن ثم فإن الغرب بصفة عامة والدول الصناعية الكبرى وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا هي المسؤولة عما يحيق بالعالم من إشكاليات وتداعيات لأزماتهم المالية والإقتصادية، وليس من المنطقي أن يحاسب العالم على تداعيات أزمة خلقتها الإحتكارات الرأسمالية، التي افتقدت حتى الإنسانية في تعاملاتها مع شعوبها، مثلما فقدتها في التعامل مع شعوب العالم. وعلى صعيد آخر: لماذا يدور الحديث عن النفط فقط وليس كافة المواد الإستهلاكية والمصنعة وفي مقدمتها الغذاء العالمي..؟!! إن استعراض أزمة الغذاء العالمي فقط كافية للتدليل على اعوجاج منطق "براون" وغرابته، ففي اليوم الذي أحيا فيه العالم يوم الغذاء العالمي الذي صادف السادس عشر من شهر التمور الماضي (أكتوبر) حذرت منظمات إغاثة ومسؤولون دوليون من التأثير السلبي للأزمة الإقتصادية العالمية على الفقراء، وتزامنت تصريحات صدرت بهذا الشأن تؤكد على أن ضخ مليارات الدولارات لإنقاذ النظام المالي في العالم سيؤدى إلى تخفيض حاد للمعونات الإنسانية التي تقدمها الدول الكبرى في إطار جهود محاربة الأمراض والفقر وإيواء اللاجئين، واتساع الهوة بين أغنياء العالم وفقرائه، وقد حذر الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان من أن خطورة أزمة الجوع في العالم لا تقل عن الأزمة المالية الحالية ودعا إلى معالجتها بنفس القدر من السرعة، وقال "عنان" في كلمته أمام المؤتمر الدولي لمحاربة الجوع بالعاصمة الإيرلندية "دبلن" إن انكماش الائتمان يجب ألا يستخدم كمبرر لوقف المساعدات المقدمة إلى الدول النامية. هذا وقد اتهم "كوفي عنان" بصفته رئيس "التحالف من أجل ثورة خضراء في أفريقيا" دول الشمال قائلا "بينما تهرع الحكومات الغربية وجهات الإقراض الدولية إلى ضخ مئات المليارات من الدولارات في البنوك المتداعية، يتضور العالم النامي جوعا"، مضيفاً: إن 10 آلاف طفل يموتون يوميا بسبب سوء التغذية في دول العالم النامي. كما حذر خبراء اقتصاد في يوم الغذاء العالمي من أن فقراء العالم سيكونون الأكثر عرضة للمعاناة نتيجة لتراجع الاقتصاد العالمي، وقال جاك ضيوف رئيس منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "الفاو" في كلمته التي ألقاها بمناسبة الاحتفال بهذا اليوم بالمقر الرئيسي للمنظمة بالعاصمة الإيطالية روما "إن وسائل الإعلام سلطت الضوء على الأزمة المالية على حساب أزمة الغذاء، وأن المانحين الدوليين تعهدوا بتقديم 22 مليار دولار كخطوة على طريق تحقيق الأمن الغذائي العالمي، ولكنه جرى جمع 10% فقط من هذا المبلغ حتى الآن، وأكدت منظمة الفاو أن الجوع يغزو أكثر من سدس البشرية بزيادة 75 مليونا عن العام الماضي، بينما طالب بابا الفاتيكان بحلٍ دائمٍ لمشكلة الجوع في العالم والذي يعتبر أنه يكمن في تعزيز النظام الدولي القائم على أساس العدالة الاجتماعية". وقياسا على ذات القضايا: لماذا لا يشمل الحديث عن حل لأزمات العالم قضايا النفط والغذاء والدواء وكافة أسباب الحياة وصولاً إلى إعادة بناء الأمم المتحدة على أسس عادلة..؟!! أليس من حق دول الجنوب أن تتحدث عن أمن شعوبها مثلما اليوم يتحدث الشمال عن أمن شعوبه...؟!! وفي ذات الوقت ... أليس من السخرية أن يتحدث الغرب عن (أمرٍ مخزٍ) وهو الذي أهدر حقوق شعوب الجنوب بصفة عامة، واستولى على ثرواتها ونهب خيراتها..؟! وتاجر ساسته ومؤسساته بكافة حقوق الإنسان وفي مقدمتها حق الإنسان في حياة حرة كريمة..؟!! بل واختلقوا الأكاذيب ولفقوا الإتهامات لغزو الشعوب ونهب الثروات وابتلاع الخيرات..!! أليس من الخزي والعار أن يتاجر الغرب (الذي كان يدعي أنه العالم الحر) في أطفال الجنوب وينتهك حرماته ومقدساته ويقتل شبابه وشيبه....؟! ثم يتحدثون في الغرب عن أسعار النفط كأنها حرب شنت عليهم..!! ولعل الأهم.. أليس من حق الشعوب في جنوب العالم أن تتمتع بثرواتها التي تمتع بها الشمال ـ قهراً وغصباً ـ على مدى قرون..؟!! أم أنه حلال لدول الشمال الغنية أن تعيش على النهب والهيمنة على الثروات والسمسرة في الأسواق العالمية، وحرام على دول الجنوب أن تتمتع بثرواتها..؟ أليس من عجب العجاب أن يتحدثوا عن "أمرٍ مخزٍ" و"براون" نفسه بدأ يفكر جدياً في وقف الهجرة الشرعية إلى بريطانيا بسبب تفاقم أزمة البطالة التي جاءت ضمن تداعيات فساد النظام الإقتصادي الرأسمالي ..؟!! وأخيراً.. إن تكشف تفكير الرأسماليين وساسة الغرب بهذه الطريقة المفجعة لهو الأمر المخزي حقيقة، باعتبار أنه يصنف عنصرية مقيتة ومعاداة للإنسانية، وهو يكشف بوضوح أن العالم الرأسمالي طالته أكثر من أزمة..؟! ربما يرى البعض أن ما طال الغرب هو أزمة مالية عاصفة نتجت عن فشل النظام الإقتصادي الرأسمالي في تلبية طموحات شعوبه وإشباع حاجاتها، وفشله المريع في بناء مجتمعات صحية تتأسس على العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل لثروات المجتمع، ولكننا نراها في المقام الأول أزمة أخلاق طالت ساسته بنفس القدر الذي طالت به مؤسساته المالية .. وتتواصل التداعيات والانهيارات..