فلسطين عار الأمة العربية وثأرها التاريخي.. بقلم:محمد رؤيا ناظم المصدر:نشر حركة القوميين العرب
يتعرض الشعب العربي الفلسطيني لمحنة تجاوزت كل حدود، وفاقت كل تصور، فلم يتعرض شعب من شعوب العالم لمثل ما تعرض له الشعب العربي الفلسطيني من قهر وإذلال وإرهاب وعمليات إبادة جماعية وأعمال معادية للإنسانية تجرمها الأديان والأعراف والقوانين الدولية، وتؤرق ضمير الإنسان في كل مكان من العالم، ولم يتعرض شعب في العالم لتآمر من ساسته وأمته وساسة العالم ومؤسساته الدولية وخاصة تلك التابعة للأمم المتحدة بل ومن الأمم المتحدة ذاتها مثلما تعرض الشعب العربي الفلسطيني، كما لم يمر شعب على مدى التاريخ بمثل ما مر به هذا الشعب من مآسٍ وعنف مفرط ومجازر جماعية طالت النساء والأطفال والشيوخ تقشعر لها الأبدان، كما لم يشهد التاريخ الحديث تمييعاً وتضييعاً للحقوق التاريخية لشعب مثلما شهد تاريخ الشعب العربي في فلسطين من تمييع وتضييع لحقوقه، فقد تكالبت عليه القوى الجبانة والخسيسة التي لا ضمير لديها ولا خلاق ولا دين، ولا حس عندها ولا مشاعر ولا وازع إنساني، مات ضميرها وتحجرت مشاعرها وواصلت سفك الدماء حتى تروي عطشها للجريمة، حباً في الجريمة ذاتها، ونكاية بالإنسانية، وتعذيباً للبشرية تحت زعم أنها موكلة بالعالم ومفوضة تفويضاً إلهياً لإنهاء التاريخ وبناء تاريخ جديد يتوافق مع ترهات وخطط (برتوكولات صهيونية) والتي هي بالأساس أضغاث أحلام لمجانين يريدون السيطرة على العالم وامتلاك مقدراته لينعموا بها على حساب الشعوب. لقد عانى الشعب العربي الفلسطيني مسلسلات القتل العمد والتصفيات الجسدية لرموزه وأبطال المقاومة الشعبية، والتهجير القسري للمنافي تحت إرهاب عمليات الإبادة الجماعية والاعتقال الإداري الذي طال النساء والأطفال والشيوخ والمقاومين، وخاصة تلك المنافي التي لا عودة منها مثل أستراليا وكندا والبرازيل وغيرها من دول أمريكا اللاتينية، وتعرض رجاله ونساؤه للتعذيب والتجويع وعمليات الاغتصاب العلني لأعراض الفلسطينيات على مرأى ومسمع من أمته التي خانت تاريخها وتشرذمت وفقدت هويتها، وتناثرت بقاياها على جغرافيا فقدت كرامتها واستقلالها ومقومات وجودها، أمة أصبحت في مجموعها توابع لذيول وأشباه أمم ثبت أنها لا تملك في الأساس مقومات وجودها، أمة تخلت عن أول وأهم أدوارها التاريخية في حماية شعبها وترابها وتراثها ومقدساتها ففقدت شرعية وجودها التاريخي، وأصبحت رمزاً للسخرية وللمهانة. ولعل الأنكى والأمر أن هذا كله يحدث على مرأى ومسمع من عالم تفرد فيه التوحش، وفقد ضميره الإنساني تحت ضغوط الأشرار والمنحرفين والمجانين والضالين من ساسة العرب والعالم على حد سواء، في وقت يرفع فيه هذا العالم المخبول شعارات لا نهاية لها عما يسميه حقوق الإنسان والحضارة والتمدن، ويتحدث ساسته ومنظروه وإعلامه عن الديمقراطية، وعن الحرية، وعن حوار الحضارات وحوار الأديان، بل وتجاوزوا الواقع والمنطق وحدود العقل الإنساني ليتحدثوا عما أسموه ثقافة السلام، التي زعموا أنهم يأسسوها على حوار الأديان، وحوار الحضارات، لتكون أسساً لعلاقات بين العدو الصهيوني والعرب، وحقيقته أنه حوار الطرشان، لأنه لا يقوم على ندية وتكافؤ، بل يقوم على انصياع مطلق وتبعية وفرض إرادات، ولن يصل بهم إلى أبعد من الأوكار التي يلجونها لتسطير تلك الكلمات الباهتة التي لا طعم لها ولا لون، ولا حياة فيها ولا روح، لأنها تقوم على المظالم، وهم بالأساس طبّعوا علاقاتهم الحكومية والرسمية مع العدو الصهيوني، ولكن التحدي الحقيقي الذي يواجهوه هو مع الأرض العربية والتراب العربي، والتاريخ العربي الذي تحفظه المقاومة العربية التي لا تفرط ولا تبيع ولا تساوم، وما زال الصراع سجال بينها وبين العدو الصهيوني، ويحكم هذا الصراع التاريخي حركة التاريخ.. لقد كشف الإنهيار العالمي الذي حدث للرأسمالية، وتداعياته التي عرّت وكشفت الضعف الهائل التي تعيشه القوى المتجبرة المعادية للشعوب، والمعادية للإنسانية، كشف عن حقائق كثيرة حول الصراع العربي الصهيوني، وقوة أطرافه، وقوة داعمي تلك الأطراف، كانت تلك الحقائق تختفي تحت السطح الذي لم يكن الكثير من القوى العالمية والإقليمية والعربية تجرؤ على دخوله أو حتى التفكير فيه. ولعل أول ما كشف عنه الإنهيار هو أن تلك الدول المتجبرة لا تملك غير قوة شيطانية لا تستند إلى أسباب قوة حقيقية، فهي خواء وهشة من داخلها، تعيش على نهب وسلب ثروات الشعوب، وتعتمد في حركتها المكوكية حول الأرض على تمويل هائل من العملاء الذين يحكمون شعوبهم من داخل تلك المنظومات الإرهابية، ويستمدون شرعيتهم من عنفوانها وبطشها، ويعيشون داخل بلاطها خدماً لسلطانها. ليس هذا فحسب.. فلقد ثبت أن المقاومة الشعبية اللبنانية قلمت أظافر العدو الصهيوني وأجبرته على الإنكفاء داخل حدوده، وحاصرت تطلعاته التي كان يراها مشروعة ـ وخطط لها ـ حول أحقيته في أرض عربية ومياه عربية وربما في الثروات العربية التي كان يدعي أنها مع العقول الصهيونية ستنتج التنمية والاستقرار فيما يسمى بالشرق الأوسط. وثبت أن الاتحاد الأوروبي ـ وعلى وجه التحديد نجمه الجديد ساركوزي ـ سارع إلى صناعة آلية تضمن تطبيع العرب جميعاً ـ الحكومي ـ مع العدو الصهيوني وخاصة ما يسمى بقوى الرفض أو الممانعة، فيما أسمي بالإتحاد من أجل المتوسط، وهو باختصار شديد هيكل إقليمي يضمن للعدو الصهيوني أن يكون من نسيج المنطقة وعلى وجه الخصوص الوطن العربي المستعصي ـ رغم انهيار حكامه ـ على التطبيع مع العدو الصهيوني، ولكن هذا الإتحاد المسخ لم يحل المشكلة، ويبدو أنه لحق بسابقيه من المشروعات الاستعمارية التي تستهدف تحقيق التطبيع. وثبت أن الشعب العربي الفلسطيني جرى تطويعه عبر حكومته التي توقع كل يوم وثيقة جديدة، ولها تواصل مستمر مع العدو الصهيوني ومع قياداته الإرهابية رغم مواصلتها أبشع المجازر ضد شعبنا العربي الأعزل، والتي تشارك أيضاً في فرض الشروط العربية والصهيونية على المقاومة الفلسطينية، بل وتقوم باختطافها وحصر أسلحتها وتجريدها من حقها المشروع في المقاومة تحت حجج ما يسمى بمسيرة السلام أو التفاوض الذي لا سقف له ولا قاع، ولكن الشعب الفلسطيني ما زال حياً ويؤرق الصهاينة والمطبعين على حد سواء. وثبت أن المقاومة الفلسطينية أنهكت بتأثير ضعف الإمكانيات وعدم وجود ممول للأسلحة بغياب القطب الآخر وإحكام حصار دول الطوق العربية على المنافذ الذي وصل حد التجويع وفرض الظلام ومنع التزود بأي من أسباب الحياة وهو ما عرض حياة ثلاثة ملايين عربي فلسطيني للخطر الداهم الذي تبرأت منه كافة المؤسسات الدولية، وطالبت العالم ومؤسساته بوقف هذا الحصار الذي يتنافى وكافة القيم الإنسانية، ولكن المقاومة باقية وتعيش حلماً في خاطر كل عربي حر شريف. وثبت أن العالم الأطرش الذي لا يسمع إلا ما يريد لم يسمع أنات الجرحى والمرضي والجياع من الأطفال المساكين الذين لا حول لهم ولا قوة، وأن الضمير العالمي أصبحت جملة غير مفيدة أمام عدم وجود توازن دولي وتفرد قوة غاشمة بالعالم، ولكن العالم يتجه بقوة إلى تعدد القطبية ليقضي ـ ولحقبة أخرى قد تطول عقوداً ـ على التسلط والإرهاب الدولي المنظم، وسيفسح المجال أمام مساندة حقيقية للقوى الحية والثورية في العالم وليس الوطن العربي فحسب. وثبت أن القمم العربية أصبحت سبباً من أسباب نكبة فلسطين، وطريقاً سهلاً للتنازل الجماعي والتفريط في التاريخ العربي دون أن تقع مسئولية محددة على أي من الحكومات العربية، وكأن العرب اتفقوا على أن أسهل التنازلات يمر من خلال باب عربي كبير، حتى لا يتعرض أحدهم لذبح في عرض عسكري، أو للإطاحة به من داخل مؤسسته الحاكمة، ولكن الأنظمة العربية ـ بعد الإنهيار الكبير ـ أصبحت أضعف من أن يحسب لها حساب، فقد أصبحت أنظمة هشة، أنظمة (كش ملك .. مات الملك)، ومن فرط جبنها ورعبها من المرحلة تغير خطابها السياسي ـ في معظمها ـ للحديث عن العدالة الإجتماعية ومساعدة الفقراء ورفع القدرة الشرائية ومشروعات الإسكان ـ الوهمية ـ وغيرها من الشعارات الفضفاضة التي غابت عن أجندتهم لعقود طويلة، وانقلب معظمهم بفضل الله اشتراكيين. وثبت أن الجامعة العربية أصبحت غير قادرة على أن تثبت أنها مجمع قومي بتأثير أنها مجرد وعاء لا يمكن أن ينضح إلا بما فيه، وأنها أصبحت مطية لمن يدفع مرتبات موظفيها، ويتحمل نفقات سفرياتهم وبدلاتهم وترفهم على حساب القضايا العربية، وما باليد حيلة...!!ولكن الشعب العربي بالأساس لا يعير الجامعة العربية أي اعتبار بعد رحيل عبد الناصر، لأنه خبرها لا تعبر إلا عن وجهة نظر الحكومات العربية ومصالحها. وثبت أيضاً أن قضية فلسطين فقدت الدعم الدولي ـ المادي والمعنوي ـ وهو ما كان الداعم الرئيس للمقاومة الفلسطينية المسلحة الشريفة ـ خلال حقبة المد الثوري والقومي ـ التي تحملت تبعات مرحلة هامة من التاريخ العربي بصفة عامة والفلسطيني بصفة خاصة، وخاصة بعد أن سقطت الدول العربية في شرك الاعتراف بالعدو الصهيوني، فلم يعد هناك من يستطيع أن يطلب دعما سياسيا أو ماديا لمن فرطوا في الأساس بقضاياهم وبحقوقهم المشروعة، ولكن أحرار العالم يعلمون أبعاد المأساة، ونحن نرى كل يوم ناشطين من الغرب والشرق على حد سواء ينحازون للشعب الفلسطيني ويكسرون الحصار رغم أنف العدو ودول الطوق. ومن ثم: لم يعد من المقبول أن يبقى الشعب العربي الفلسطيني تحت الحصار في وقت ثبت فيه أن العدو الصهيوني أضعف من أن يتمدد حتى داخل حدوده، بل وأضعف من أن يحافظ على تلك الحدود، وما مظاهراته العسكرية حول قوته الجوية الرادعة وغيرها من الترهات إلا محاولة لذر الرماد في العيون والحفاظ على المستوطنين اليهود داخل الخط الأخضر خوفاً من هربهم بعد التغيرات المهمة التي لحقت بالعالم وأودت بقوة أمريكا والغرب وجعلتهم دولاً من الدرجة الثانية، بل ووضعتهم في مصاف دول إفريقيا الفقيرة التي تستجدي البنك الدولي الذي يستجدي بدوره البرازيل والصين والهند وغيرها من دول العالم كي يبقى حياً على الخارطة العالمية. و لم يعد من المقبول أن يبقى الشعب العربي الفلسطيني تحت الحصار في وقت ثبت فيه أن داعمي العدو الصهيوني هم نمور من ورق، وأنهم لم يعودوا يستطيعون أن يمدوا ساقيهم خارج شواطئهم، وفي وقت سقط فيه بعض رموز العمالة الذين انخرطوا في تنفيذ مخططات الإمبريالية العالمية ـ مثل براويز "غير" مشرف ـ وخرجوا يلفهم الخزي والعار وعليهم لعنات الله والشعوب، وفي وقت بدا فيه الشرخ واضحاً بين أوروبا وأمريكا، وأن الخلاف الذي طفا على سطح قمة العشرين له جذور عميقة لا يمكن القفز عليها، وسينعكس هذا سلباً بالتأكيد على دعم الإتحاد الأوروبي للكيان الصهيوني، وفي وقت يعيد العالم فيه ترتيب موازين القوى بعد أن برز في الأفق أن قصة الأحادية قد انتهت، وأن النجومية لم تعد حكراً على الزعماء، فقد أثبت التاريخ الجديد أن النجومية ممكنة حتى للجماهير التي تستطيع الدفاع عن نفسها، وفي وقت ينبغي فيه التأكيد على أن العرب أمة تستحق الحياة فوق الأرض وتحت الشمس.. و لم يعد من المقبول أن يبقى الشعب العربي الفلسطيني تحت الحصار في وقت ثبت فيه أن العدو الصهيوني منهار ومحاصر بتأثير تخلي الغرب عنه لأنه بات يحمل الغرب أكثر مما تحتمل إمكاناته، ولا أدل على هذا من التصريحات البريطانية الأخيرة على لسان وزير خارجيتها ورئيس وزرائها حول مسئولية العدو الصهيوني عن وقف ما أسماه "عملية السلام" بسبب الإستيطان، وتشير الدراسات التاريخية ودراسات المراكز الإستراتيجية الأمريكية إلى أن الكيان الصهيوني فقد مبررات وجوده كرأس حربة في الوطن العربي بعد انهيار الإمبراطورية الأمريكية، وتقهقر حجم وثقل الاتحاد الأوروبي في العالم بعد إفلاس معظم دوله. ألا يستفيق العرب الذين لا يجيدون لعبة السياسة..؟! ألا يعلمون أن العالم يتغير..؟! وأن خارطة جديدة للعالم بدأت تتكون وقد قرأناها لهم منذ اتفاق الدوحة الشهير..!! ألا يريد العرب أن يعيشوا أحراراً على أرضهم يملكون ناصية الأمور بأيديهم..؟ أم أنهم استمرئوا الذل والمهانة حكاماً ومحكومين..!!! ألا يعيد العرب حساباتهم، ويتخلصوا من هذا العار الذي لحق بتاريخهم، أم يصرون على أن يدفنوا بهذا العار التاريخي..؟! وإذا كان النظام العربي الرسمي قد أصر على أن يعيش هذا الدور التعس وأن يرد مزبلة التاريخ طائعاً مختاراً، فأين الجماهير العربية التي تمسكت بخيار المقاومة في التاسع والعاشر من يونيو عام 1967..؟!! أين الجماهير العربية التي خاضت الصراع مع العدو الصهيوني على مدى ربع قرن وهي تربط الحزام على بطونها..؟! أين المقاومين الأبطال الذين قاتلوا في صفوف المقاومة الجزائرية، والمقاومة الفلسطينية، وقاتلوا على كافة الأرض العربية وردّوا كل عدوان..؟!! أم أن الأرض العربية عقمت عن ولادة الأبطال..؟! والعالم يتغير، ويتشكل من جديد، أصبحت الخيارات أمام العرب محدودة.. فك الحصار ..أو العار .. ولهم الخيار.. وللحديث تداعيات