المشهد ألفلسطيني مليء دائماً بمفارقات كئيبة في معظمها، ولكن المفارقة الملفتة للانتباه في هذا المشهد الكئيب، هي قيام السفينة الليبية المروة بمحاولة حقيقية لكسر الحصار على غزة،بعنوان قومي أعظم من كونه مبادرة لتقديم الغذاء والدواء، فالمروة مثلت حالة استثنائية متعاطفة مع محنة الشعب ألفلسطيني ، ومبادأة لتخفيف آلام الحصار والتجويع والتشريد ،في وقت لم نسمع، أو نشاهد، أو نقرأ، أن مسؤولاً عربياً أو أممياً اتبع نفس العنوان ،فالأمر الغالب هو الوضع الإنساني ، على الرغم من أنَ العنوان السياسي هو الأهم .
والأمر الخطير أن َحالة الحصار أصبحت جزءاً من حياة الشعب الفلسطيني ،متصاحبة مع الاستيطان ،بشكل يكاد يمهد لنكبة جديدة تطل على الشعب الفلسطيني في أي لحظة, والعالم يراوح مكانه في هذا الهلام السياسي العالمي الذي شهدته مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة ،فهل ترتب القوى السياسية ألفلسطينية أوراقها آخذة كل هذه السيناريوهات بالاعتبار بما قد يؤول إلى تجنيبه الحد الأدنى من نكبة جديدة،فالشعب ألفلسطيني يعيش مرحلة أشبه ما تكون بالمرحلة التي سبقت النكبة الكبرى من حيث الانقسام في قواه السياسية ،بين المساومة والمقاومة وبخيارات سياسية مسدودة الأفق بشكل غير مسبوق ، مما ورث الشعب الفلسطيني حالة من الضياع السياسي لسوء خيارات قواه السياسية التي وضعت نفسها بخياراتها السياسية أمام أزمة هوية، حيث أصبح جلها إن لم نقل كلها عاجزاً عن تعريف المرحلة التي تعيشها هل هي مرحلة تحرر وطني أم مرحلة بناء الدولة المستقلة والتنمية؟.
هل يعيد التاريخ نفسه ؟،هكذا يقال !،فذات المراكز الدولية ترسم الخرائط وفق مصالحها وفي ضوء ميزان القوى المتحقق فيما بينها، وباقي العالم يتوزع كمجالات حيوية وكعكة قابلة للاقتسام،وكان تأسيس الكيان الصهيوني أحد أبرز نتائج ما ترتب على المنطقة العربية ترسيخاً لسايكس- بيكو، باعتباره حاجة إمبريالية لم يحل الانقسام الدولي دون ولادته ، بل إن الاتفاق الدولي كان قابلته الأولى حيث اعترف به القطبان فور تأسيسه واعترفت به كذلك المؤسسات الدولية الناشئ بعضها والمتولد بعضها من رحم ما سبقها من مؤسسات.
وقد قاوم الشعب ألفلسطيني التأسيس وما ترتب عليه من هجرة صهيونية وبقي يقاومها حتى الآن، إلاَ أنَ مقاومة الشعب ألفلسطيني الباسلة وتضحياته ألفريدة وانتفاضاته المتوالية، لم تحلْ دون قدرة المراكز الدولية المتوافقة على تأسيس الكيان الصهيوني وإسباغ الشرعية الدولية عليه
والآن يخوض الكيان الصهيوني سباقاً محموماً مع الزمن لتنفيذ مخطط استيطاني جديد يأتي على البشر والحجر,ويخلق واقعاً جديداً يرسم ملامح مدينة القدس المحتلة على خلاف ما هي عليه ويشدد قيود الاستيطان حولها ،والأمر يشي بخطر أكبر،و الكيان الصهيوني يضع المقدمات لمعالجة ملف فلسطينيي 48 بآليات التهجير والتبادل السكاني وغيره، وتصريحات تسفي ليفني وزيرة خارجية الكيان الصهيوني تدل على ذلك، وإن تغلفت بسخرية وتهريج سياسي يخفي تواطؤاً ما؟
والاستيطان تلك الحركة الاستعمارية الصهيونية الإحتلالية - الإحلالية المستندة إلى بعد توراتي ديني يهدف إلى توظيفها سياسياً، واقتصادياً و عسكرياً واجتماعياً بهدف إقامة المشروع الاستيطاني في فلسطين، حيث الشعار الصهيوني " أرض بلا شعب لشعب بلا أرض " ،وقد ظهر المشروع الصهيوني للاستيطان في مؤتمر بازل1879 في سويسرا ،وحتى ما قبل ذلك العهد ،والغرض الأساسي له تجميع أكبر عدد من يهود العالم في فلسطين من خلال عملية انقلاب ديمغرافي تستبدل اليهود بسكان البلاد الأصليين ،وهذا ما نجح فيه الكيان المغتصب حتى الآن ،إذ توضح دراسة للبروفيسور زاكي شالوم أن عدد المستوطنين في الضفة الغربية بلغ نهاية العام 2007 أكثر من 275 ألفا وأثر من 184الف مستوطن في القدس المحتلة ومحيطها، ويشير لوجود 102 نقطة استيطانية عشوائية ، لافتا إلى أن الحكومة ورغم تصريحاتها المتشددة لم تزل سوى ثلاث نقاط "عشوائية" فقط.
ويؤكد شالوم أن الحكومة الإسرائيلية الحالية غير مستعدة في الواقع للالتزام بعدم تسمين المستوطنات القائمة خاصة في الكتل الاستيطانية الكبيرة وغربي الجدار و"التي لا تثير خلافات عميقة حولها لدى الإسرائيليين".
ويتابع "ترى إسرائيل في الاستيطان تعبيرا عن معايير قيمّية وحاجة تحديد مستقبلي لحدودها علاوة على كونه حلا لمشاكل اجتماعية اقتصادية لقطاعات سكانية مختلفة فيها إلى جانب اعتبارات سياسية داخلية، وهذا ما يفسر استمرار الاستيطان في فترة حكومات اليسار".
ويؤكد أنه رغم إدراك الحكومة الحالية لمخاطر الاستيطان على رؤية الدولتين فهي تبدي رغبة بعدم كسر العلاقات مع المستوطنين، قائلا "يبدو أن هذا التوجه ينم عن إدراك الحكومة لضعفها ومحدودية قوتها في موضوع إخلاء المستوطنين"،ويقر الباحث بأن واشنطن تناهض الاستيطان بالأقوال لا بالأفعال. ويتوقف عند أسباب تراخيها ويعطي مثلا الموافقة على بناء مستوطنات طالما جرى داخل الكتل الاستيطانية الكبرى.
من هنا فالكيان الصهيوني يثبت كل يوم ،ومن خلال أفعاله أنه كيان لا يريد السلام ،ولا يبحث عنه ، بل يستغل الأوضاع الدولية المتوترة، وانشغال العرب عن قضيتهم الأم فلسطين,وانشقاق الصف الفلسطيني لتصعيد سياسة التهويد لفلسطين و مدينة القدس المحتلة بالإعلان عن بناء ما يزيد على ألف وحدة استيطانية في القدس والضفة الغربية, والمضي قدماً في عمليات السطو على الأراضي الفلسطينية وحفر الأنفاق تحت الأماكن المقدسة.
وفي ظل هذه الهجمة الشرسة لكيان الاحتلال للقضاء على حلم الدولة الفلسطينية وطمس المعالم الدينية لمدينة القدس, فإن المجتمع الدولي أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية لوقف غول الاستيطان الإسرائيلي, فتأثير الاستيطان السياسي والعسكري كبير على الاقتصاد ألفلسطيني في مجالات الزراعة والمياه و الصناعة والعمالة ألفلسطينية والمياه الجوفية والهواء ودفن النفايات السامة و الكيميائية في الأراضي ألفلسطينية كبير جداً ،أما تأثيره على الأراضي المقدسة فلإنشاء الهيكل المزعوم في القدس للسيطرة على المدنية المقدسة، فسمحت للمستوطنين بإقامة المستوطنات على أرض أماكن الوقف الإسلامي فصادرت أراضي وأحياء عربية في القدس وعملت على قلب النظام الجغرافي و الديمغرافي لهذه المدينة بتهويد اقتصاد القدس وعزله عن الضفة الغربية وإخضاع المرافق الاقتصادية والتجارية العربية لأنظمة الضرائب الإسرائيلية،و محاولة القضاء على التراث الإسلامي وتدمير المقدسات الإسلامية والمسيحية وتشويه الطابع الحضاري لمدينة القدس وإزالة الأماكن المقدسة ودليل ذلك :-
1. الحفريات حول و تحت المسجد الأقصى بهدف العثور على الهيكل.
وحريق المسجد الأقصى الذي دبرته سلطات الاحتلال 21/8/1969 .
2. الاعتداء على الأماكن المقدسة الإسلامية و سرقة محتويات كنيسة القيامة و استملاك الأراضي التابعة لبعض الأديرة المسيحية في القدس و الاعتداء على المقابر الإسلامية ثم حريق بعض الكنائس على أيدي المتطرفين اليهود، وهدم المنازل وتهجير السكان .
3. إعلان ضم القدس و تغيير الطابع الديني والسياسي للمدينة منها، الاستيلاء على الأراضي العربية دون مقابل ومنحها لليهود أفراداً وجماعات لبناء المستوطنات عليها. فبمجرد فوزها في انتخابات كاديما؛ وقبل تسلمها تكليفاً رسمياً من رئيس الكيان الصهيوني شيمون بيريز بتشكيل حكومة جديدة، توجهت تسيبي ليفني رئيسة حزب كاديما إلى حزب شاس وغيره من الأحزاب الدينية لدعوتهم إلى المشاركة في الحكومة، حيث اشترط حزب شاس على ليفني عدم إدراج القدس المحتلة على قائمة المفاوضات.
4. ضم مساحات جديدة من الأراضي تتراوح ما بين400 -500 كم، وتشتيت وتهجير ما لا يقل عن 200 ألف عربي بالإبعاد ألقسري والإجباري لعدد كبير من المواطنين بحجة مقاومة الاحتلال.
5. شراء الأراضي العربية عن طريق تزوير المستندات دون علم أصحابها الأصليين و إغلاق مساحات شاسعة من الأراضي العربية من قبل سلطات الاحتلال ثم منحها للمستوطنين للاستيطان فيها.
6. إنشاء طريق استيطاني استراتيجي عبر سلسلة جبال الضفة الغربية المطلة على وادي الأردن بدءاً من الخان الأحمر جنوباً وحتى مجدل بني فاصل شمالاً حيث بلغ طوله حوالي 48 كم وأطلق عليها اسم طريق( ألون).
7. استمرار العمل على توسيع المستوطنات التي تمت إقامتها على أراضي القرى العربية على أساس استمرار مصادرة الأراضي العربية لمصلحة المستوطنات وإقامة الطرق حولها، وربط بعضها بعض.
ان هذه السياسة الصهيونية تتطلب وسائل و أساليب مقاومة الاستيطان الصهيوني على شاكلة : -
1. تنظيم الجماهير ألفلسطينية داخل الأرض المحتلة و إقامة جبهة وطنية فلسطينية داخل الأرض المحتلة تكون الذراع السياسي والتنظيمي للشعب ألفلسطيني.
2. تشجيع الهجرة المعاكسة بإعطاء كل عائلة يهودية مبالغ طائلة من المال للهجرة للدول الأخرى.
3. دعم صمود الشعب ألفلسطيني داخل الأرض المحتلة، من خلال المؤسسات و المنظمات والجمعيات الخيرية والهيئات والأندية و الصحف ولجان المخيمات والتعاونيات الزراعية ومختلف النقابات لحماية الأرض من خطر شرائها من اليهود.
4. تشجيع الشعب ألفلسطيني على الصمود والتشبث بالأرض في وجه سياسة الاستيطان الرامية إلى طردهم من أرضهم و لدعم الهوية العربية للسكان العرب الذين يقطنون في عام 1948.
وأخيراً فإن ما تشكو منه القضية ألفلسطينية الآن هو غياب الدور العربي والإسلامي الحقيقي، ولا أعني أن ألفلسطينيين قد أدوا دورهم، ولكن حتى أوجه القصور في الأداء ألفلسطيني القائم من الممكن أن يعالجها دور عربي وإسلامي فاعل يرتكز على المبادئ ليحمي الأرض والهوية من الاقتلاع والتذويب.