عندما اتفق العرب في قمة بيروت عام 2002م على ما يسمى بالمبادرة العربية للسلام كان اغلب الظن ان الكيان الصهيوني سيتلقفها وسيتعامل معها وكأنها نهاية المطاف لصراع طويل في المنطقة استمر لاكثر من ستين عاماً ، وكان التفكير العربي وقتها ان الصهاينة ربما جاهزون للتوقيع على ما يسمى بالسلام وذلك رغم ان شارون جسد وفي اليوم التالي مباشرة رؤيتة للسلام المزعوم من خلال اجتياحه لجنوب لبنان . ومنذ ذلك الوقت سارت الامور بالعكس تماماً ، فلا العرب استطاعوا ان يفرضوا مبادرتهم ولا الصهاينة استجابوا وبقيت الاوضاع على حالها بل على العكس من ذلك كان للكيان الصهيوني اراء متعددة حول ماهية ما يسمى بالسلام وفي مقدمتها ان اي مبادرة او مشروع لانهاء الصراع يجب ان يأخذ اولاً واخيراً المصلحة الصهيونية في تحقيق الامن ونزع سلاح اية مقاومة من شأنها ان تشكل خطراً على الوجود الصهيوني .
ومنذ العام 2002م والعرب يروجون لمبادرتهم ولم يجدوا أحداً يصغى اليهم باعتبار ان الكيفية والطريقة التي يروج لها كانت اشبه ما يكون بالاستجداء لاعادة الحقوق المغتصبة واضافة الى ذلك فان حالة الضعف الموجودة في المنطقة العربية قد زادت من تصلب الاخرين في مواقفهم واكثر من ذلك في فرض شروطهم واملاءاتهم بما يتماشى مع توجهاتهم ومصالحهم سواء على الصعيد ( الجيو سياسي ) او على صعيد ضمان تحقيق ( التطبيع ) ودخول الكيان الغاصب في نسيج المنطقة والاستفادة من الثروات والامكانات ، ناهيك من الدور الامريكي غير المنصف والمنحاز كلياً للجانب الصهيوني والذي يرى ان كل ما يقوم به الصهاينة ( مبرر الدفاع عن النفس ) حتى ولو ادى ذلك الى ابادة الشعب الفلسطيني .
ان المعضلة الاساسية التي تقف في وجه العرب هي عدم مقدرتهم على المواجهة بالشكل المطلوب الذي يرتقي الى مستوى تحدي الاخر وايضاً لعدم وجود الالية الصحيحة التي من خلالها يستطيعون فرض مطالبهم المحقة في استرجاع كامل حقوقهم غير منقوصة كما تهدف الادارة الامريكية من وراء الاعلان عن تأييدها للدولة الفلسطينية المزعومة
ويمكننا في هذا الصدد ان نشير الى ان العرب انفسهم باتوا مدركين ان مبادرتهم لم تفض الى اية نتائج وان التعويل عليها بات يتضاءل شيئاً فشيئاً حتى ان الامين العام للجامعة العربية اعلنها صراحة من ان المبادرة لن تبقى طويلاً على الطاولة نظراً لعدم اهتمام الاطراف الاخرى بها وبالتحديد الكيان الصهيوني وحليفته امريكا .
وليس بعيداً عن المشهد السياسي العربي فان اجواء المصالحات العربية التي بدأت تشهد تحسناً ملحوظاً خاصة في القمة العربية التي انعقدت مؤخراً في العاصمة القطرية يدعونا الى طرح السؤال التالي هل العرب جادون فعلاً في تفعيل آلية العمل العربي المشترك وتنبهوا اخيراً الى حجم المخاطر والتحديات التي تواجههم ؟
بداية كانت لكلمة الاخ قائد الثورة وقعها المؤثر لدى المحللين والمراقبين السياسيين الذين اعتبروا توجيهه فما يتعلق بالمبادرة العربية بانه بالغ الاهمية خصوصاً عندما طالب العرب بإضافة بندين اساسيين الاول بعودة جميع اللاجئين الفلسطينيين الى فلسطين المحتلة والثاني المطالبة بازالة السلاح النووي الذي يمتلكه الصهاينة والذي يشكل خطورة على الامن القومي العربي .
وحقيقة الامر فان دعوة القائد للزعماء والقادة العرب يتبني هذين المطلبين انما يأتي في سياق تحقيق المطلب الشعبي الفلسطيني بالعودة الى مدنه وقراه من جهة وتحقيق الامن والسلام في المنطقة من جهة اخرى لانه بدون هذين الهدفين فان الجميع سيجدون انفسهم وقد عادوا من جديد الى المربع الاول وان كل المحاولات المجتزأة من قبل البعض لن توصل الى اية نتائج ايجابية .
وعلى كل لو عدنا الى جوهر الصراع في المنطقة فأنه لن يخرج عن كونه صراع بين مشروعين الاول نضالي ومقاوم لاسترداد كل الحقوق المغتصبين والثاني استعماري يهدف الى المزيد من الاستيلاء على الاراضي العربية في اطار السياسة الصهيونية التوسعية القائمة على قضم الاراضي وبناء المستوطنات وبالتالي فان اشكالية الصراع ستبقى قائمة وان ما يحكى عن الدولتين واحدة صهيونية واخرى فلسطينية ما هو الا مضيعة للوقت لان الصهاينة انفسهم لا يعترفون بهكذا حل ولو افترضنا جدلاً انه تم الاتفاق على اقامة الدولة الفلسطينية يبقى السؤال مطروحاً من يمتلك الجرأة للتوقيع على التفريط بحقوق الشعب الفلسطيني ؟
اعتقد جازماً ان احداً من الفلسطينيين على مستوى القيادة السياسية لا يستطيع ان يتبنى انهاء القضية او التوقيع على مرحلة الحل النهائي طالما ان الشعب الفلسطيني غير راضٍ عن الحلول المجتزأة لقضيته وطالما ان الشعب العربي يرفض جملة وتفصيلاً اي نوع من انواع ( التطبيع ) مع الصهاينة ولنا في اتفاقيتي ( اسبطل داود ) و ( وادى عربة ) اكبر مثال على ذلك .
اذاً لمسألة ليست متوقفة على ابرام المعاهدات والاتفاقيات او الكم الهائل من المبادرات وانما في الاساس تكمن في قناعة لشعوب ومدى رضاها وايمانها وقبولها بهذه السياسة ، واذ يمكن للعرب الرسميين ان يقتنعوا بسياسة ما يسمى ( المفاوضات ) مع الجانب الصهيوني ولكن من الصعوبة بمكان او ربما من المستحيل اقناع الجماهير العربية بذلك خاصة وان العدو الذي تواجهة هو من النوع القائم في الاصل على الارهاب والعدوان ولا يمكن ان يؤتمن له تحت اي ظرف من الظروف حتى ولو بصم ألف مرة على ما يسمونه ( السلام )
واخيراً هل يعي العرب خطورة الموقف وهل هم حاضرون لتبني ما طرحه قائد الثورة في قمة الدوحة الى جهة التمسك بعودة جميع اللاجئين الفلسطينيين دون استثناء والمطالبة بازالة اسلحة الدمار الشامل الصهيونية ام تراهم لم يصلوا بعد الى الشجاعة التي تخولهم لذلك ؟