( اليوجينيا ) وإطلاق سراح المقرحي !!
نقلاً عن صحيفة الزحف الأخضر.
كلمات سوريالية في علم السياسة غير مفهومة ، عصية المعنى على البسطاء ،واضحة المعاني للعارفين ، فى لحظة ترقب مثيرة ، حين صعد المواطن الليبي عبدالباسط المقرحى الطائرة الليبية ، أجزم أنه لم يصدق ما يحدث ، لأنه من عادة الافعال الثورية أن لايصدقها الكثيرون فى البداية ،بمن فيهم المعنيون بها أنفسهم ،أعود فأقول حين صعد المقرحي سُلم الطائرة ، صعدت معه قلوب كثيرة اعتصرها ألم الظلم وقضت مضاجعها الازدواجية الدولية فى الأحكام والحول السياسي الذى يضرب أركان كبريات عواصم العالم .
فحين خرجت الممرضات البلغاريات من ليبيا وفق اتفاق بين دول وحكومات متعددة ، رافق خروجهما مشهدان متناقضان ، الأول ذهول من ذوى الضحايا ولعنات تطارد المجرمين مهما استفادوا من السياسة وملاعيبها ، ومشهد مقابل مقزز وغير متحضر تمثل فى عفو رئاسى من رئيس بلغاريا على الممرضات حتى قبل ان تحط طائرتهم على أرضية مطار صوفيا ، وتم استقبالهم استقبال الفاتحين وكللوا بالغار ، وجرت لهم أعراس لم يسبق لها مثيل ، ودون وضع أى اعتبار للرأي العام الليبي ولمشاعر ملايين الليبيين ، تم استقبالهم فى محافل أوربية كثيرة كما لو كانوا رواد فضاء هبطوا لأول مرة على كوكب لم يُكتشف بعد . يومها لم يقل أحد كلمة منصفه فى حق ليبيا وشعبها ولا حتى الاشقاء العرب ، الآن وعبدالباسط المقرحى قد نعم بالحرية وفوق أرضه وبين أهله وأصدقائه لانملك إلا الدهشه والحيرة من ردات الفعل الغريبة والسريعة التى صاحبت عودة المقرحى لبيته ولأسرته . ويبرز السؤال المهم : أين كانت أصوات هؤلاء حين كانت الأمهات الليبيات يذرفن الدموع ويكابدن لوعة الوجع وهن يشاهدن فلذات أكبادهن يتساقطن فى احضان الموت الواحد تلو الآخر ؟؟أين كان ضمير العالم ساعتها ؟؟!! وأين هي الشرعية الدولية ؟
أين هي الحدود الشرعية التي يمكن فيــها ممارسة الشرعية نفسها باعتبارها خــــطوة لابد منها ، ملازمة لمعـــنى الانسان ؟ وهل الانسان الليبي غير الانسان الأوروبي ؟! إنه ازدراء بحق الانسان الليبي وكيانه وحريته وهيبته ، إنه تمييز عنصري بغيض ومقيت ،وغير مقبول ،
وحين يبلغ هذا السلوك درجة الشذوذ، ويخطط لجعله سياسة عالمية ،وتتملك الشعوب المستضعفة فكرة أنها ضحية وبلا أمل وأنها شعوب من الدرجات الدنيا ، يأتي الارهاب ومن ثَِِم تناسله ونتاجاته وتفريخاته وانشطاراته وتداعياته وصفاته المعدية التي يصعب بعدها تشخيص المصدر وعزله عن الحياة ككل ، لأن مثل هذه السياسات الحمقاء هى التى تنتج الارهاب وتساعد على تفريخه واحتضانه وتأجيج الغضب والحقد .. لكل هذا كان الفعل الثورى الكبير فى حجم المسألة والحدث ، فجاءت الترتيبات والمجهودات السياسية الليبية تناغما مع الفعل الثورى المستمر من أجل تحقيق السيادة والعزة والكرامة للمواطن الليبي أينما كان ، وقد نجحت السياسة الليبية التى يهندس لها الاخ القائد ويشرف عليها ويوجهها ويتابعها بعناية لحظة بلحظة ، نجحت فى إرباك أعداء الجماهيرية ، ونجحت فى الوصول بالمراكب الى الشواطىء الآمنة ، بعيدا عن فوضى الحاقدين وتجار الحروب ، وها هو ( المقرحي) بين ظهرانينا معزز مكرم بفعل الثورة التى نجحت فى اختراق الأسوار ودهاليز السياسة العالمية ، واستطاعت تقديم نموذج جديد فى العلاقات الدولية يستند على (ديناميكية) النظام الجماهيري ومرونة وتعدد خياراته ، ومقارعة الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان ، وعلى حكمة القائد وتوجيهاته ، حيث تمكنت من الانتصار فى معاركها التى فُرضت عليها ، وهذا أجمل هدية تقدمها الثورة لجماهيرها وهى تحتفل بعيد الاعياد عيد فجر الفاتح الأغر .
إن الذين استفزهم وأفزعهم أن يروا المواطن الليبي (المقرحي) حرا طليقا يمكننا ان نقول عنهم إن كلماتهم وتصريحاتهم هي محاولة لإضفاء طابع اخلاقي على العربدة السياسية ،وهو أمر مخيب للآمال ومدعاة لاغتيال روح التسامح والنسيان التي بحوزتنا
واذا ما اعتقدنا ان التسامح فى ظل هذه السياسات المعادية والمخجلة هو أحد الاوهام الشائعة التى ينبغى علينا تجنبها ، فهل هذا يعنى ان الآخرين ليسوا مستعدين بعد لقبول الشعوب الصغيره وشعوب العالم الثالث فى المنظومة الأخلاقية والقيمية العالمية التى يتبنونها بشكل أحادى ؟ إن هذا الاعتقاد سيمزق أجندة أحلامنا فى قيام عالم يحترم الجميع ، عالم خال من العنصرية والتفرقة والنظرة الدونية للآخرين . وإذا فسدت هذه الاحلام فإن ذلك يشكل فضيحة مدوية ، ستتعارض مع قيم الانسان الذي يعتبر نفسه المخلوق الوحيد الذي يقبل المنطق والحجة . أجد نفسى أعود للعام ألف وثمانمائة وثمان وثلاثين مسيحي ، عندما صاغ (السير جالتون) مصطلح (اليوجينيا) القائم على ان التطور البشرى قد انحرف وان البشرية تذهب للهاوية !!! حيث قادت نزعة الخير لدى الاثرياء كما يزعم الى تشجيع غير الصالحين ويقصد (الفقراء من العالم الثالث )على التكاثر والرغبه فى الحياة مثل الأمم المتحضرة !! وهو ما أفسد آلية الانتخاب الطبيعي من وجهة نظره ! ، ومن ثَِم اصبح الجنس البشري فى حاجة الى نوع من الانتخاب الاصطناعى اسمه (اليوجينيا) ،وبالتالى ينبغى كبح جماح غير المتحضرين من شعوب العالم الثالث ،بل وينبغى معاملتهم بلا قيم وبلا إنسانية ! إن هذه الاطروحات الجالتونية هى التى تأسست عليها حركات مرعبة فى أوروبا كالفاسية والنازية ، فهل بعض التصريحات والمواقف مؤسسة على اليوجينيا الجديدة ؟؟!! .