أداة الحكم هم البشرية وشر بلائها
المحاضر . أ . عيسى النيهوم
عضو هيئة التدريس بجامعة عمر المختار
إن المجتمعات البشرية على امتداد التاريخ تعيش حالات صراع مستمر ، وقد أخذ هذا الصراع أشكالا متعددة.
ففي المجتمعات القبلية البعيدة كان هناك صراع داخل القبيلة على زعامة القبيلة. ومن جهة أخرى كان هناك صراع بين القبيلة وغيرها من القبائل على المراعى والمياه. وهى الثروات المعروفة للقبائل آنذاك .
وتطور الصراع بتطور المجتمعات ونشأت المدن فكان الصراع على حكم المدينة ثم على طريقة الحكم .
وفى العصر الوسيط اتخذ الصراع شكلا مختلفا فكان بين طبقة محكومة وطبقة حاكمة تنافست هذه الأخيرة فيما بينها على السلطة . ثم صار صراع الدول بعضها مع البعض الآخر صراع تسابق على ثروات الأمم الضعيفة المتأخرة . (1)
ولقد اعترف " دارسو " القوانين الدستورية بأن المشكلة الكبرى فى حياة الدول إنما هى فى نزاعها المتواصل مع شعبها ، كما اعترفوا بأن هناك مشادة مستمرة وقائمة بين الدول من جهة وبين الأفراد من جهة أخرى . وحددوا ذلك بأنه صراع بين حاكم ومحكوم . (2)
ومما لاشك فيه أن طبيعة الصراع فى الغالب ما تكون حول الزعامة التى تتمثل فى أداة الحكم التى يرتبط مفهومها بالإطار السياسي الذي يعرف بالدولة . وكلمة دولة (state) تنحدر من أصل لاتيني (status) بمعنى موقف أو وضع أو ظرف وفى العادة فإن لفظة (status) تنطبق على شيء ما يكون قد تم تأسيسه ويعرف على انه ثابت ودائم وفى وضعية معينة. (3)
ومن الناحية الشكلية فالدولة توجد فى إقليم جغرافي محدد المعالم يحتضن مجموعة من البشر يوصفون بأنهم مواطنون .
والمسار أو الاتجاه الذى تتخذه أداة الحكم فى تنفيذ سيطرتها على شعبها بصفة معينة بحيث قيل إن الدولة فى الأنظمة القديمة (( هى دولة مالكي العبيد للسيطرة عليهم)) . وقيل عن الدولة التى كانت أداتها إقطاعية جهاز الأرستقراطية للهيمنة على رقيق الأرض . وفى عهد الدولة الرأسمالية أصبحت الدولة الرأسمالية المسيطرة على الطبقة العاملة . (4)
أو أن الدولة النيابية الحديثة هى أداة رأس المال لاستغلال العامل الأجير والسلوك الذى تنتهجه أدوات الحكم جعل البعض يعرفها بأنها أداة قسر وإكراه تتسم بانقسام المجتمع إلى طبقات وترتبط نشأتها ووجودها بنشأة الصراع الطبقي واستمراره .
وقد أوضح ماركس هذا المعنى بجلاء فى مؤلفه (( الحرب الأهلية فى فرنسا )) ،
حيث وصف الدولة بأنها ظاهرة طفيلية تمتص دماء المجتمع وتعوق حركته ، ويكون الحاكم فيها بمنزلة سلطة مستقلة عن الشعب ومسخرة لخدمة مصلحة طبقة على حساب الطبقات الأخرى .
ويمكن أن تحدد أدوات الحكم من خلال معيارين أساسيين :
الأول ...... عددي أو كمي ويقوم على أساس كم عدد القائمين بممارسة السلطة .
الثانى ..... نوعى أو كيفي ويدور حول : لمصلحة من تمارس السلطة السياسية ، أي هل تمارس لمصلحة الحاكمين أو المحكومين ؟.
وقد ثبت جليا أن كل أدوات الحكم التى سادت فى العالم مارست أو تمارس السلطة لمصلحتها لا لمصلحة المحكومين . حيث مضى على البشرية حين من الدهر لم تعرف فيه إلا السلطة المطلقة ونظام الاستبداد فى الحكم ، فلم يكن بمقدور الإنسان المواطن فى ذلك الوقت مواجهة الحاكم أو السلطان للمطالبة بحقوقه وحرياته لأن الحاكم كان يعتبر نفسه إلها أو نصف إله أو من نسل الإلهه أو على الأقل ظل الله فى الأرض لا يسأل عما يفعل بل يمتد سلطانه إلى الأرض والنفس والعرض .
وتحت هيمنة النظم الإقطاعية القيصرية استمر هذا العنف والظلم على شعوبها إلى أن قوض بفعل قيام الثورة الفرنسية التى أسست أول نظام جمهوري فى العالم ، وحذت حذوها دول كثيرة وظهر ما يعرف فى أنظمتها بالنظام الديمقراطي التقليدي الليبرالي الغربي الذى اعتمد نظام التمثيل النيابي ، ولكنها أحدثت أزمة لشعوبها تمثلت فى التدجيل وتغييب الجماهير عن اتخاذ قرارها ؛ ما أدى إلى رفض سياسة اداة الحكم بقيام الإضرابات والمظاهرات واستمرار الصراع للوصول إلى السلطة حيث انقسم المجتمع إلى أحزاب وفئات متعددة .
والمواطن الذى يعيش فى ظل هذه الأنظمة يخشى التعبير عن مشاعره إذ إنه يعلن أن شتى وسائل القمع ستستخدم ضده مثلما نرى من حالة الشعب البريطاني الذى يعانى من تسلط الشرطة التى تستخدم التقنيات الحديثة لتفريق المظاهرات التى تعبر عن حالة الشعب ، فتلجأ إلى وسائل القمع الجسدي المباشر ، لان أساس مفهوم نظام الحكم لديها لا يستقيم إلا باللجوء إلى العنف .
فالديمقراطية التى يتحدثون عنها زائفة وهزيلة . إذ يستحيل أن توصف هذه الحكومات التى تنهج هذا النهج بسوى الرجعية والدكتاتورية .
وفى قائمة هذه الدول الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وسواهما من الدول التى تدعى العظمة لنفسها والتى لا تستطيع أن تنفى سمة القمع عن ممارستها وإجراءاتها الحكومية .
وما معاناة شعوب هذه الأنظمة وظهور الإضرابات والاحتجاجات وانتشار مظاهر القمع ووسائل التعذيب ، وكثرة السجناء والمهجرين ، وتفشى البطالة ، وانعدام الحريات والمساواة إلا دليل على سوء سلوك وتصرفات أدوات الحكم على شعوبها .
ذلك لأن النظام الرأسمالي أدى إلى استغلال الفقراء ، وسيطرة الأغنياء أصحاب الطبقة المميزة على المجتمع كله . كما أصبح هذا النظام أساسا وسببا لأشكال متنوعة للاستعمار .
أما النظام الشيوعى وهو نظام علماني مقابل للرأسمالية فإنه يعالج المجتمع بأساليب مادية بحتة لتحقيق أهدافه فهو يهدد كافة الحريات ، وقد أدى إلى قيام حكم استبدادي قائم على أساس بيروقراطي يسيطر عليه حكم فرد أو جماعة من الأفراد. وفى ظله تحتكر الدولة جميع وسائل الإنتاج المادي والثقافي ، وتسيطر على جميع حوافز الفرد وحريته فى المجتمع ، ثم إن النظامين انغمسا فى الاستعمار بشكليه الرأسمالي والشيوعي للسيطرة على العالم . (5)
والمفكرون الغربيون قد كشفوا عن أزمة الحضارة الغربية . وسلطوا أضواء على حتمية انهيارها فى العديد من كتبهم مثل (( الإنسان ذلك المجهول )) لالكسيس كاريل (( الانسان المقيد )) لجوزيف زويس .(( سقوط الغرب . واللا انتماء )) لكولن ولسن (( انحدار الغرب )) لاوزفالد شبينغلر(( البحث عن الإيديولوجية البديل)) لروبير ديون . حيث تناولوا بالنقد النظامين الرأسمالي والاشتراكي وأبرزوا علاقات انهيار الحضارة الغربية مثل الزيادات فى حالات الانتحار أو الإدمان على المسكرات والمخدرات أو الجرائم ، أو الزيادات فى حالات الأمراض النفسية والعصبية الناتجة عن الخوف والقلق والوحدة والخواء والانتماء ، فضلا عن الإحصاءات المتعلقة بالتسلح والقنابل الجرثومية والكيماوية والنووية وما يتهدد العالم من حرب مدمرة لا تبقى ولا تذر . (6)
فالمجتمع الرأسمالي مجتمع المتناقضات بين طبقاته، ومجتمع الصراعات بين تلك الطبقات من جهة ، وبين أفراد كل طبقة فيما بينها من جهة أخرى . حيث يتقاتل الناس من أجل المال فهناك مجتمع الأغنياء وأصحاب رؤوس الأموال الضخمة التى تتحكم فى الأسواق وفى وسائل الإنتاج . وتجتمع إلى يدها السلطة السياسية حيث تدير دفة الحكم إلى مصالحها الخاصة . وهناك طبقة الفقراء من العمال وهى طبقة ينزف دمها وعرقها فى سبيل لقمة العيش .
هكذا عالم الرأسمالية ، عالم يحكمه المال ، وتختفي فيه كل عاطفة إنسانية من مواساة أو رحمة وغير ذلك مما تدعو إليه الرسالات السماوية .
أما المجتمع الشيوعى فهو الصورة المقلوبة للرأسمالية ، فإذا كانت الرأسمالية تقوم على الفردية واستقلال كل فرد بذاته وانعزاله عن المجتمع ، فإن الشيوعية قد قضت على ذاتية الأفراد قضاء تاما وأذابتهم فى المجتمع . فالفرد فى الشيوعية آلة مسخرة تعمل للدولة وهى السلطة التى انعزلت عن المجتمع تسوقه كما يساق القطيع من الحيوان وتوجهه يمينا أو شمالا دون أن يدرى إلى أي اتجاه يساق أو إلى أي غاية يعمل ، فإذا فتر أو أبطأ كان السوط على ظهره ينزف دما ، وإذا رفع رأسه معترضا أو محتجا كان الموت أقرب إليه من يده فيذوب الفرد فى هذا المحيط كما تذوب قطرات المطر فى مياه البحر . (7)
وإذا ما نظرنا إلى سياسة أدوات الحكم فى هذه الأنظمة الليبرالية من جانبها الآخر ، وهو السياسة الخارجية فإننا نراها تلجأ إلى ما يعرف بالإرهاب الدولى ، حيث تقوم بالاعتداء على الشعوب الصغيرة الآمنة بهدف إرهابها والسيطرة عليها، أو فرض نظام حكم معين لكي يتسنى لها نهب خيراتها وثرواتها، وفى حال رفض أى دولة لسياسة الانصياع لسلطتها والخنوع لأوامرها تلجأ إلى فرض سلاح إرهابى آخر وهو الحصار الاقتصادى الذى يؤدى إلى عمليات التجويع.
حتى النظام الشيوعى أقام حكما دكتاتوريا عن طريق الحزب ، ولم يكن لديه أى إمكانية لممارسة الديمقراطية بأي شكل من أشكالها حيث تحول الحزب الشيوعى الذى يعرف برأسمالية الدولة إلى الوارث لأداة الحكم السابقة .
فالنظام القيصري وحكم الحزب الشيوعى وجهان لعملة واحدة إذ عانى الشعب هموم النظامين . لأن هذا النظام (( يفرض على المواطنين كافة الاقتناع بفلسفته السياسية القائمة على وجوب الخنوع إلى حزبه الأوحد الذي لا يحق له إلا أن يحمل شعاراته ويعمل على تحقيق أغراضه )) (8)
وكم من أداة حكم فى العالم الثالث والدول النامية فرضت على شعبها تطبيق أحد النظامين الرأسمالي أو الشيوعى ، وفشلت فى سياستها الداخلية فشلا ذريعا حيث فشا الفساد والرشوة والمحسوبية وأوشكت الحريات وحقوق الإنسان أن تنعدم أو كادت ، واتخذت لاستمرار نظامها المقلد أعتى أساليب العنف والظلم ما أدى إلى عدم الاستقرار واضطراب حياة شعوبها وكانت النتيجة قيام الانقلابات أو الثورات أو نشوب حروب داخلية راح ضحيتها عدد كبير من البشر .
ناهيك عن تلك التى اتخذت ظاهرة التحكم فى الأقليات وعدم الاعتراف بحقوقها السياسية والاجتماعية ، وتركتها تعانى الاضطهاد والاستغلال ومشاكل اجتماعية تهدد سلامة تلك الأقليات وكيانها .
وهذا ما يؤكد لنا فشل الأنظمة الغربية والشيوعية فى حل مشكلة الأقليات لأن معظم الأنظمة الحالية ليس بإمكانها أن تمنح الأقليات حقوقها الكثيرة، وتجلت هذه المشكلة فى الدول الغربية فى النظم السياسية ذاتها ولاسيما النظم البرلمانية والأحزاب السياسية التى ترتبط بالدرجة الأولى بمصالح فئة معينة.
فى حين أن النظم الشيوعية تستحوذ طبقة واحدة على مقاليـد الأمور الاقتصادية والسياسية بالحزب السياسي .
ومن هنا يتبين أن نظام الأحزاب فى الدول الغربية والشيوعية هو لبّ المشكلة إذ إنه يلعب دور الحاجز بين الشعب والحكومة .(9)
وفى ظل هذه الأنظمة السائدة تعيش البشرية حالة من الفوضى فى حياتها أدت إلى زعزعتها واضطرابها وزيادة همومها كانتشار المحرمات وتفشى البغاء وأماكن الدعارة ، وتوسيع دائرة الاستغلال والقهر والظلم دون أن يقف أي من هذه الأنظمة المشار إليها سلفا للحد منها وكأنها وسيلة ناجحة تطمئن إليها لإلهاء الشعوب عن التفكير فى السلطة .
كما أن ثمة مشاكل كانت أداة الحكم قد تسببت فيها ولاقت شعوب المعمورة هموما لا طائل لها من جرائها قتلا وتشريدا وضياعا لممتلكاتها ، وهى إقامة الحروب التى أمرت بها أدوات الحكم وفرضتها على شعوبها ، وهى حروب سادت معظم دول العالم إن لم تكن جميعها ، وأصبح تاريخ البشرية تاريخا مضطربا تحتل فيه الحروب حيزا واسعا . أما السلام فمجرد فترات زمنية تطول أو تقصر تقع بين حربين على حد ما لاحظ أحد الفلاسفة.
والسؤال الذى يطرح نفسه هو : لماذا وقعت الحروب بين البشر ، بل كيف حدثت على أرض الواقع على مدى الأزمنة والأيام ، أو من هو المسؤول عن إقامتها ؟ أليس ذلك ناتجا عن تهور أدوات الحكم فى بسط سلطانها .
فالحروب مهما تعددت أشكالها وأطوارها فهي وسيلة لتقويم مسار سياسى أو فرض مسار سياسى جديد على بلد معين . والمحصلة أن شعوب العالم لاقت من جراء إقامة هذه الحروب قديما وحديثا ظلما وعسفا وقهرا وضياعا وتشردا وفزعا طيلة هذه الحروب ، ناهيك عن قتل الملايين ، من البشر وتهجير الملايين وترك أوطانهم ليعيشوا غرباء ، وكم من استعمار عمل بشكل جنوني ووحشي عنيف أدى إلى إبادة حضارات ساحقة ، كل ذلك كان بسبب تصرفات أدوات الحكم الطائشة التى لا تنظر إلى عواقب الأمور .
وخلاصة القول فى هذا الجانب : إن كان للبشرية بد من أدوات الحكم تأخذ بيدها صوب السعادة والاستقرار ، ورفع همومها التى عاشتها عبر تلك الأنظمة المتعددة الشكل الموحدة الطابع فعليها أن تتجه نحو طرح النظرية العالمية الثالثة لتستلم الشعوب سلطتها وتقرر مصيرها .