مقدمة :
فكرة حل الدولة العلمانية الديمقراطية للعرب واليهود في فلسطين التاريخية ليست جديدة ، وقد طرحها العديد من اليساريين اليهود والعرب منذ اربعينات القرن الماضي . وقد اعادت منظمة التحرير الفلسطينية هذا الطرح رسميا عام 1974 ، حيث استندت الى مسوغات التوافق الأثني بين الديانات السماوية الثلاث ، دون ان تدخل في تفاصيل الحل . مع ذلك تخلت القيادة الرسمية سريعا عن هذا الحل وبدأت م.ت.ف الحديث عن الحل المرحلي الذي تحول بعد اتفاقية اوسلو المشؤوم الى حل استراتيجي . وها هو فريق اوسلو يعلن عن فشل مشروعه ويلوّح مهددا من حين لآخر انه اذا ما فشل مشروع الدولتان سنعود الى طرح حل الدولة الواحدة !
لقد اعتبر طرح " حل الدولة العلمانية الديمقراطية " عام 1974 من قبل م.ت.ف تقدما وتجاوزا للموقف القومي العربي الكلاسيكي (سواء التقدمي او الرجعي ) الذي استند الى حقيقة تاريخية لا يمكن تخطيها ، وهي ان فلسطين عربية من البحر الى النهر وان أي حل يجب ان يستند الى هذه الحقيقة وانه يجب طرد اليهود الذين استقدموا الى فلسطين بغض النظر عن أي ميزان قوى قائم على الارض او في المنطقة او العالم ، كذلك دون النظر الى موضوعة التمييز بين اليهودي والصهيوني ، أي بين اليهود كبشر وبين الصهيونية كمشروع استعماري استيطاني استعملت اليهود كحطب لهذا المشروع الذي يجب هزمه وتفكيكه ...
وكانت حركة ابناء البلد ، التنظيم الناشيء والرائد في تبني مبدأ الدولة العلمانية الديمقراطية عندما صاغت ورقة المباديء الاولى التي اعتمدتها عام 1977 ،لكن بعيدا عن مضمون التوافق الأثني للدولة التي ستقوم ، بل اعطت مضمونا اكثر تقدمية بأن عرّفت مضمون العلمانية على انه يقوم على اساس فصل الدين عن الدولة وعدم تكرار نموذج الدولة الطائفية اللبناني الذي لا يستطيعون الافلات منه حتى اليوم وبدون يهود، فما بالك في الحالة الفلسطينية التي تفرض عليها المسألة اليهودية كحالة انسانية وكحالة مواطنة مشتركة قسرية ، بعيد تفكيك المشروع الصهيوني الكولونيالي ...
اذن العلمانية التي اعتمدت كمضمون داخلي للدولة يجب ان تحرص فيه الدولة على احترام كافة المعتقدات دون تمييز ، وأن تستند هذه الدولة على دستور يوفر لكل متدين ممارسة معتقده دون اكراه ديني او علماني او مضايقة او تدخل من قبل النظام نفسه ، لأن حصول أي شيء من هذا القبيل يتعارض مع حقوق الأنسان . وقد استندت في هذه المسألة الشائكة على النموذج الانساني للمؤتمر الوطني الافريقي في حينه " لكل انسان صوت واحد " دون تمييز على اساس القومية او الاثنية او اللون ...الخ ، حيث تجاهل هذا الشعار كون البيض في جنوب افريقيا مستعمرين استيطانيين يتوجب طردهم ، وهذا الاساس نفسه المطروح في "حل الدولة العلمانية " كناظم يحكم اليهود الذين يقبلونه مع العرب ولاجئيهم ايضا .
حركة ابناء البلد تعرضت ايضا لمسألة : هل اليهود شعب ام لا ؟ وهل يحق لهم حق تقرير المصير على اساس استقلال اذا ما كانوا شعبا ؟ وفي فلسطين تحديدا ؟ سؤال طرحه علينا بعض " اليساريين الاسرائيليين " والفلسطينيين .
لقد استخلصت الحركة علميا ومن مصادر يهودية ، وفي اسرائيل تحديدا انهم لم يقرروا بعد من هو اليهودي ، وان هناك خلط بين الدين والقومية في اليهودية ، وانه لو كان اليهود يشعرون انهم قومية واحدة لتجمعوا جميعا في دولة اسرائيل التي تمكنت بعد حوالي 130 سنة لميلاد الحركة الصهيونية وبدء تطبيق مشروعها من تحشيد بضعة ملايين فقط في فلسطين التاريخية (اسرائيل ) ، حيث ما زال اغلب اليهود لا يقتنعون بمقولة ان اسرائيل هي البيت القومي لليهود رغم دعمهم لها ماديا من خلال الدول الامبريالية التي يعيشون فيها ، وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية . حتى ان مقولة "الشعب الاسرائيلي" التي تغنى بها البعض تسويغا لدعم "حق تقرير المصير للشعب اليهودي في البلاد" لم تكتمل حتى يومنا هذا بسبب استمرار تدفق المهاجرين اليهود حيث تقوم اسرائيل بتهويدهم من جديد دينيا واسرلتهم مدنيا بشكل يومي ، الأمر الذي يؤكد ما قاله شامير غداة مؤتمر مدريد التاريخي :"نحن شعب اسرائيلي في طور التكوين " . وما داموا كذلك فان طروحات الشرعنة المبكرة لحق تقرير المصير لليهود كشعب مبلور ،على اساس استقلال (بشكلها المجرد ) هو مشروع مطروح ارضا من الناحية الفكرية والمادية . اما اذا كان الأمر المعطى يفضي الى ان تجمع المهاجرين الذي جلبته الحركة الصهيونية من قوميات مختلفة وثقافات ولغات مختلفة يتميز باليهودية او يعرفون انفسهم كتجمع استيطاني يهودي –صهيوني ،فلنتعامل مع هذا المعطى المفروض علينا وعلى امتنا العربية عنوة وبابشع صوره ، دون الدخول في حيثياته القومية او الأثنية . لكننا نرفض مقولات ومشروعات تحمل "رؤى مستقبلية " لبعض اليساريين والعرب المستسلمين للواقع المفروض او حتى الصهاينة ، التي تنادي بطي صفحات التاريخ واعتماد الحلول لنا ولشعبنا وللاجئينا تستند الى مرحلة ما بعد 15/أيار / 1948 .
لقد اضافت حركة ابناء البلد في هذا السياق ، انه حتى لو ان اليهود يحملون مواصفات أي شعب عادي آخر فان ذلك لا يجعلنا نعترف بحقهم بتقرير مصيرهم على اساس استقلال في فلسطين وعلى حساب الشعب الفلسطيني ، واننا نعتبر كل المشروع الصهيوني مشروعا كولونياليا استيطانيا وان أي فلسطيني واي ثوري في العالم مطالب بتصويب بوصلة نضاله ضد صهيونية اليهودي كمشروع كولونيالي وليس ضد اليهودي كانسان لطالما عاش في اقطار الوطن العربي منذ فجر التاريخ ، وان نضالنا الاهم ضمن موازين القوى القائمة يجب ان ينصّب على تخليص اليهود من صهيونيتهم وكولونياليتهم كافراد وكمجتمع . وهذا امر ليس بالبسيط ، بل انه في منتهى الصعوبة والتعقيد على اثر ما وصلت اليه دولتهم اليهودية من انجازات قياسية على الصعيد الداخلي ، وانجازات اكبر على صعيد موازين القوى في المنطقة والعالم .
ان تحويل هذه المقولة الى مشروع سياسي من نوع جديد مبني على اساس النضال المستمر في فلسطين كلها بهدف التحرر من الاستعمار الصهيوني ، لهو المشروع الأهم في هذه المرحلة التاريخية . لكنه مشروع يحمل ضمن مركباته المسألة اليهودية بكل تعقيداتها الفردية الحقوقية والجماعية . مستندة الى كثير من نماذج الدول التي يعيش فيها نوعان او اكثر من السكان ، وهي قطعا مخلفات استيطان استعماري او طبيعي . فمن يمعن النظر في النموذج الجنوب افريقي وربما الكندي وغيرهما ، يجد اننا لسنا اول من يضطر للتفتيش عن حلول تفرضها ظروف تاريخية وموازين قوى ناشئة خارج التطور الطبيعي لحركة التاريخ. انها العدالة المبتكرة قطعا .
ان كل تلك المقدمة التاريخية والتوضيحية لم تعد هي الاهم ، بل اعتقد جازما انها ستتعرض الى الكثير من النقد والرفض من جهات كثيرة تقرأ التاريخ وحركته بشكل آخر ، ولديهم مشاريع مغايرة تستند الى معتقدات مغايرة وكذلك الى تجارب كفاحية مغايرة وربما اكثر تأثيرا ووجودا ماديا في معمعان الصراع بين شعبنا الفلسطيني وبين الحركة الصهيونية . واؤكد اننا لا نستطيع تجاوز هذه الطروحات وادوات تطبيقها على الارض . اننا لا نتجاهل المشروع الذي بدأ امبرياليا بقرار التقسيم في الامم المتحدة وحل الدولتين ، وانتهى الى انه مشروع امريكي اسرائيلي – ليكودي يميني ولو بعد اجهاضه على الارض عبر الاستيطان الكثيف في الضفة الغربية تحديدا ، بصفتها اهم منطقة معدة للدولة الفلسطينية في اطار حل الدولتين ! اننا كذلك لا نستطيع تجاهل الطرح القومي العربي الكلاسيكي الذي يؤمن بان فلسطين عربيه من " المية للمية" ونقية من اليهود ! كذلك لا نستطيع تجاهل وتجاوز الطرح الاسلامي المقاوم الذي يطرح بان الاسلام هو الحل وان فلسطين كل فلسطين هي وقف اسلامي ، آخذين بالحسبان قوة هذا الطرح نضاليا وجماهيريا على ساحتنا الفلسطينية تحديدا ! واننا لا نستطيع تجاهل كافة الطروحات التي تدعو لحل ثنائي القومية او ثنائي الاثنية . اننا لا نستطيع القفز على الطرح القومي الذي يدعو لاقامة " اسراطين " المبني على اساس التمييز بين اليهودية والصهيونية ،وانه لا خيار امام اليهود الا التفتيش عن صيغة تعايش سلمي في البحر العربي بعيدا ومتخليا عن المشروع الصهيوني الكولونيالي !
اننا كحاملي مشروع تحرري ، تقدمي وانساني يدعو للدولة العلمانية الديمقراطية ، لا يسعنا ان نبقى معزولين عن باقي الطروحات التي استعرضتها للتو ، خاصة وان القاسم المشترك لكل هذه الطروحات الفكريه والنضالية هو اعادة فلسطين الى فلسطينيتها شعبا وارضا ، والى عمقها العربي والاسلامي والانساني ، عبر الانتصار أولا على المشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين التاريخية الذي افضى باسرائيل الكبرى اليوم ، الى ان تكون دولة ابارتهايد وحيدة في العالم ، تستند الى قوتها العسكرية – النووية للحفاظ على ديمومة كيانها الاستعماري الذي يشكل قاعدة متقدمة للأستعمار العالمي في المنطقة ، ومسألة عدم المساءلة النووية لأسرائيل اكبر برهان لذلك ...
ان القاسم المشترك الأهم بين كل هذه الطروحات هو التبني العملي لحل الدولة الواحدة ، التي لا يمكنها الا ان تكون ديمقراطية تعددية، سياسيا ،ثقافيا واثنيا .
في هذا السياق لا يسعني الا ان اسجل حقيقة تاريخية تؤكد على ان القوة او القوى التي ستنجز مشروع الانتصار على الصهيونية ومشروعها ، هي التي ستطبع الدولة الوليدة بطابعها السياسي والايديولوجي ولحقبة تاريخية غير قصيرة ، فالشعوب تكافيء المحررين دائما وعلى مر التاريخ .
فهل اصحاب حل الدولة الواحدة جاهزون لانشاء الاداة التنظيمية والسياسية والكفاحية لتحقيق مشروعهم ؟
والاسئلة التي تتدافع امامي في هذه المداخلة : هل يمكن اخراج فكرة الحل العلماني الديمقراطي من صالون ابناء البلد واليساراليهودي المعادي للصهيونية في الداخل ، ومن صالون اكادميين كثيرين في العالم الى الشارع والى الجماهير العريضة ؟ هل يمكن تحويل فكرة حل الدولة العلمانية الديمقراطية الى مشروع تنظيمي وسياسي ونضالي ؟ وكيف يمكن ان نفعل ذلك ؟ اين هي ساحة نضالنا ؟ الا يساعدنا في بدء تطبيق مشروعنا فشل حل الدولتين ؟ الا يشكل صعود اليمين الفاشي في اسرائيل ومشروع يهودية الدولة و فتح مشروع طردنا من جديد واعادة انتاج نكبة جديدة حيالنا ، الا يشكل ذلك ارضية كافية لمقاومة المشروع الصهيوني برمته وارساء ثقافة نضالية جديدة تمحو ما ذوتناه من الفصل بين احتلال 1948 و 1967 ؟
الا يشكل مجمل افكار وطروحات حل الدولة الواحدة اساسا جبهويا قويا ، واداة كفاحية ظافرة من شأنها بدء مرحلة انعتاق جديدة من المشروع الصهيوني للعرب واليهود ؟ وهل نحن مستعدون لأعداد العدة الكافية لتغيير ميزان القوى بيننا وبين الحركة الصهيونية التي صنفتنا قيادتها الحاكمة في اسرائيل اننا عدوها الاساسي والمباشر ؟ وهل نحن مبنيون لنضال طويل الأمد ؟ هل نحن جاهزون ماديا ونفسيا لدفع الثمن الباهظ للأنتصار على المشروع الصهيوني وتحقيق حل الدولة الديمقراطية الواحدة ؟ ام هل ننتظر حتى تنجز عملية تغيير العرب واليهود الى علمانيين او اشتراكيين او شيوعيين او اسلاميين او يهود او نعربهم جميعا حتى نقبل حل الدولة الواحدة الديمقراطية ؟ الا يجب ان نبدأ بهذا الحل كمشروع سياسي يضم كل تلاوين هذا الحل بهدف التخلص اولا من المشروع الصهيوني الكولونيالي كمقدمة لتحقيق الحل الاستراتيجي التحرري العادل والشامل على ارض فلسطين التاريخية ؟
بم نبدأ ؟
* تحويل الفكرة الى مشروع سياسي - تنظيمي ونضالي
أولا : استندا الى موقفنا المبدئي والاصلي الرافض للمشروع الصهيوني الكولونيالي برمته وعدم تبني أي حل من شأنه اضفاء الشرعية على كيان هذا المشروع ،وبصفتنا جزء من الشعب الفلسطيني وقضيته وحلها حلا شاملا وعادلا . كذلك استنادا لفشل الحل الامبريالي ( حل الدولتان ) واجهاضه من قبل اصحابه ، عبر الاستيطان الصهيوني في الساحة الرئيسية لأنشائه ( الضفة الغربية ) ، وتحويل اسرائيل الكبرى الى دولة ابارتهايد ، فانه قد حان الوقت موضوعيا لتحويل فكرة " حل الدولة الواحدة الديمقراطي " بمفهوم حركة ابناء البلد العلماتي ، المطروح اعلاه ، الى مشروع سياسي حزبي موحد ووحيد ، والتخلي عن مراعاة الاعتبارات الرسمية ل م.ت.ف ، بمساعيها السرابية التفاوضية – الاستراتيجية لأقامة دولة فلسطينية مستقلة بحدود 1967 ، عاصمتها القدس وتحقيق العودة للآجئين الفلسطينيين حسب قرار الامم المتحد رقم 194 ،وذات سيادة ... الخ وفتح الابواب التنظيمية امام كل من يوافق عل مجمل برنامج حركة ابناء البلد ، لتحويل هذا التنظيم الى حركة شعبية ديمقراطية حقيقية ،مؤثرة وقائدة سياسيا وكفاحيا لشعبنا ولكل من يتفق على هذا البرنامج ...
ثانيا : تشكيل أئتلاف او جبهة تنظيمية وسياسية للعرب واليهود على ارض فلسطين التاريخية وخارجها كعنوان سياسي محلي ، عربي ودولي ، يضع البرامج التفصيلية اليومية لتحويل هذا المشروع الى برنامج كل الجماهير الشعبية ، وتحويله الى برنامجها النضالي .
ثالثا : توفير الأمكانيات المادية لبناء وتفعيل هذا الأطار بنيويا ، سياسيا ، تعبويا ، كفاحيا واعلاميا وعرضه كمشروع بديل لكل المشاريع المطروحة وكخيار أفضل وأمثل للعرب واليهود على هذه الارض.
علينا ان نتهيأ ايضا لحملات قمع سلطوية محتملة في حالة تصلب عود هذا المشروع وتحوله الى مشروع واقعي على ألارض وليس فقط من الناحية النظرية . هذا الأمر يحتم بناء كوادر من نوع جديد تعرف جيدا حجم التضحيات المطلوبه لأنجاز هذا المشروع الذي يتوجب عليها ترويجه شعبيا على ان تكون نموذجا يقتدى به ، ليصل الشعب الى مبتغاه .
رابعا : المبادرة فور بلورة هذا الأئتلاف الى تشكيل ائتلاف تنظيمي سياسي كفاحي اوسع، يشمل كافة القوى التي تناضل عقائديا ، سياسيا وجماهيريا من اجل دحر المشروع الصهيوني في فلسطين التاريخية ، وتحمل في طيّات برامجها حل الدولة الواحدة الديمقراطية ، بغض النظر عن مضمون هذه الدولة كما اوضحت اعلاه . بل ان شرطها الوحيد الذي يفرض نفسه هو الديمقراطية التعددية ،السياسية ، الثقافية والاثنية .
أي المطلوب بهذه المرحلة التاريخية الأمساك في الحلقة المركزية للصراع الفلسطيني الصهيوني ، ألا وهي مقاومة مشروع الأبارتهايد الكولونيالي كوحدة جغرافية واحدة ، بكافة الأشكال المشروعة – الممكنة وبمختلف مستوياتها ، وبمنظار زمني استراتيجي طويل المدى . فاذا كانت 44 سنة لم تحقق حل الدولتان الذي ايدته كل دول العالم الخارجي ، فان المطلوب هو بناء الذات لمواجهة عقود نضالية مماثلة تحتمل كل الاحتمالات ، لتغيير موازين القوى هنا على ارضنا وفي داخل الكيان ، خاصة بعد ان اصبحنا نصنّف من قبل حكومة اسرائيل بأننا الخطر المباشر عليها ، ألأمر الذي يضعنا في موقع رأس الحربة في الصراع المباشر ضد دولة الأبارتهايد الصهيونية ، ولجعلها دولة غير ممكنة ، باهظة الثمن ، يتوجب تفكيكها وانهائها واحلال دولة ديمقراطية واحدة للعرب واليهود في فلسطين التاريخية بدلا منها . نضال مبني على اساس التمييز بين اليهودي والصهيوني ، لا يحمل التخلص الا ممن يصر ان يبقى كولونياليا عنصريا كفرد او كمجموعة .
ان هدفنا الرامي الى الانتصار أولا على مشروع الأبارتهايد الذي يطبقه على الأرض اليمين الصهيوني – الفاشي ، هو هدف تحرري ، تقدمي ، انساني . برأيي ان هذا الهدف – ثلاثي الأبعاد ، سيمكّننا من استقطاب تأييد عالمي كبير ، يشكل حاضنا وحاميا للمشروع الوحيد الذي يحل مشكلة الشعب الفلسطيني بكل قطاعاته وفي مقدمتها عودة اللاجئين و"فلسطينيي ال 48 " والمسألة اليهودية بعد دحر مشروعها الصهيوني .
ينتقد ويرفض بعض العروبيين هذا الطرح على انه يشرعن بقاء اليهود في فلسطين ، وكأنه لم يكن يهودا على هذه الارض وعلى كل ارض العرب في عصور تاريخية خلت ، وبرأيي ان الاستنتاج المهم من هذه الحقيقة التاريخية ، هو الصيغة التي يتواجد بها اليهود هنا او في أي مكان من العالم : هل هي صيغة مستعمرين ام متساوين ؟ ومن مثلنا يعرف كيف وفر الحضن العربي والاسلامي السلامة والطمأنينة والشراكة السياسية والثقافية لليهود في ذروة الدولة الاسلامية .
كذلك يتعرض هذا المشروع كما غيره من مشاريع حل القضية الفلسطينية الى رفض صهيوني مطلق _ رسمي وشعبي حتى الآن ( باستثناء بعض النخب اليهودية المعادية للصهيونية ) ، مستندين في رفضهم الى قوة اسرائيل النووية وضعف الفلسطينيين والعرب ، غير آبهين بكل العالم ، متغطرسين متجاهلين لعوامل الزمن والنضال الفلسطيني المستمر ، الذي لن يرضخ ابدا للهيمنة الكولونيالية الصهيونية ، معلنين ان مقاومة المشروع الصهيوني ستستمر حتى تحقيق العودة للاجئين وحتى ينجز الحل الدائم والشامل والعادل .
ان مهمتنا الصعبة في معمعان هذا الصراع ، هي اقناع اليهود بالاقناع أولا او بتغيير ميزان القوى وتكبيدهم اغلى ثمن ممكن ؟ عندما سنوصلهم الى هذا الوضع بالملموس وفي عقرمشروعهم سيبدأ مشروعنا بالنجاح والانتصار .
ضروري ان اؤكد في هذا المقام ان مشروع الدولة الواحدة الديمقراطية ليس مرهونا بنجاح أو فشل جزئي لحل الدولتين ، لأننا جميعا ندرك ان حل الدولتين في صيغته المطروحة لن يحل قضية اللاجئين بالعودة الى ديارهم وبلداتهم ، ولن يحل مسألة الحقوق الوطنية لفلسطينيي الداخل اسوة بباقي قطاعات الشعب الفلسطيني . ان هذه الحقائق تتلازم مع مشروع يهودية الدولة الذي طرح في مؤتمر انابوليس ، وتفسيره من قبل وزيرة خارجية اسرائيل آنذاك على انه يعني ترحيل "عرب اسرائيل الى الضفة الغربية " . هذه حقائق تغذي الصراع الفلسطيني الصهيوني وتؤججه وتحكم بالاعدام على كل الحلول الجزئية ، وتدفع باتجاه حسم هذا الصراع نحو الحل الوحيد الذي اصبح واقعيا ، والذي سيتحقق حتما ولو بعد مائة عام ، ألا وهو حل الدولة الواحدة الديمقراطية ، ربما بعدما يتعمد بمزيد من دماء الطرفين ، كما يفرض المستعمر الصهيوني .
اعتقد انه اذا توفرت وحدة الرؤية لحل الدولة الواحدة الديمقراطية ، الأرادات السياسية ، الجرأة الحزبية والنوايا الحسنة ، نكران الذات ، التكافؤ والاصرار على مواجهة دولة الأبارتهايد بادوات جديدة ، فاننا نستطيع قطعا زج طاقات جماهيرنا وشعبنا كله في أتون مرحلة نضالية جديدة مرنة داخلياً ، لا تعرف المساومة خارجياً ، ذات برنامج متعدد المذاهب الفكرية والسياسية ، موحد الأداة التنظيمية ، متعدد الوسائل الكفاحية . فاذا ما توفرت تلك المقومات ، وبالأمكان توفيرها ، فان دوائر التنظيم الثلاث التي حددتها تحت عنوان بم نبدأ قابلة للتطبيق على مراحل من خلال عقد مؤتمرات تعقدها الجهات المعنية ، يعد لها خصيصا لأنجاز مهمة تحويل فكرة الدولة الواحدة الديمقراطية الى مشروع سياسي نضالي حاسم في هذه المرحلة التاريخية والمرحلة المنظورة .
صحيح اننا مبدئيون في طرحنا ولم ننتظر فشل مشروع الدولتين عندما طرحناه ، لكننا نرى جميعا في هذه الأيام ، استماتة النظام الامريكي لبعث الحياة في مشروع الدولتين الذي اجهضته اسرائيل ،بخاصة بعد وضوح واصرار موقف حكومة نتنياهو اليمينية الفاشية القائمة . كلنا مدرك ومتيقن من ان الأستيطان في الضفة لن يزال وبخاصة في مدينة القدس التي زرعت بها اكثر من 55 بؤرة استيطان ، وكلنا مدرك انه في اطار حل الدولتين لن يعود اللاجئون الى ديارهم ووطنهم ، بل يفتشون لهم عن حلول توطين في الدول العربية ، والأردن بدأت تعد العدة لاستقبالهم الفعلي رغم رفضها اللفظي . ناهيك عن ان أي حل على اساس الدولتين اصبح يحمل في طيّاته مشروع" يهودية الدولة اليهودية "، أي مشروع تهجيرنا ، وقد طرح الموضوع على جدول اعمال مؤتمر انابوليس واعترفت به امريكا . كذلك ندرك جميعا ان أي سلطة فلسطينية مهما كانت متأمركة ، لا تستطيع الموافقة على رؤية حكومة اسرائيل من حل الدولتين . اذن المرحلة مقبلة على فتح جولة صراع جديدة خطيرة ، لربما ستحمل ابعادا اقليمية ، وتتغلف بذرائع نووية ضد ايران وسوريا وحزب الله وغزة ومعها كل المناطق الفلسطينية بما في ذلك نحن في الداخل ومن خلال فتح ملف التهجير مستغلين حصول فوضى عارمة في المنطقة .
ان هذه القراءة الواقعية للوضع الراهن تحتم على جميع القوى المعنية التقاط اللحظة التاريخية الناضجة ، والبدء بصياغة مشروع الدولة الواحدة الديمقراطية ، وتشكيل الآليات التنظيمية المناسبة وبرامج نضال تفصيلية وضمان انجاح تنفيذها ... فالواقع لا يرحم ويجب الا نرهن مصيرنا للأقدار المحدقة بنا . فالمعركة انتقلت الى ساحة ال48 ، وعلينا ان نبدأ بتنظيم انفسنا واعداد العدة لمعركة البقاء وافشال مشروع الأبارتهايد الصهيوني الكولونيالي . وهذا هو المشروع الأهم في هذه المرحلة التاريخية .
قضايا ومواقف / نماذج وعبر/ ذات الصلة :
حق العودة ممكن للتطبيق :
* لا اعتقد ان أي حل مطروح يكمنه ان يطبق قضية حق العودة اكثر واشمل من حل الدولة الواحدة الديمقراطية . ففي بحث للدكتوراة اجراه الاستاذ ناصر ابو فرحة من قرية الجلمة – قضاء جنين ، في احدى الجامعات الأمريكية ، اثبت بشكل قاطع انه يمكن اعادة اللاجئين الى قراهم ومدنهم بنسبة 93% ، فبرغم انها هدمت الا انها فارغة ، ربما تنتظر عودة اهلها .
الاستيطان الشرعي وغير الشرعي :
* حل الدولة الواحدة الديمقراطية للعرب واليهود من شأنه بعد انجازه ، ان يعيد النظر تماما بمسألة الأستيطان وتصبح مسألة سكن في أي مكان تريد للعرب واليهود ! مفهوم الاستيطان حسب حل الدولتين يعتبر الأستيطان كولونياليا في الضفة الغربية فقط ، هكذا عودونا ان نذوّت ، اما الأستيطان في يافا وحيفا والشيخ مونّس وعكا والناصرة وكل ال48 فاصبح يذوت كسكن وتوطين مشروع ، متناسين اننا نحمل سنويا اسم اكثر من 500 قرية في مظاهرة العودة السنوية ، وكلها قرى هجر اهلها منها ويقطنون في بلدات عربية تبعد عن القرى المهجرة بضع كيلومترات .
مقاطعة البضائع والتطبيع : هل تسري علينا ؟
وهكذا تماما حملة مقاطعة بضائع المستوطنات التي تجري عندنا في الداخل وفي الضفة الغربية في هذه الأيام ، المقصود بمستوطنات الضفة الغربية ، خطوة يقف خلفها في الضفة الغربية سلام فياض ، بينما اوروبا الشعبية والعالم المتنور اصبح يقاطع بضاعة اسرائيل برمتها وليس فقط المستوطنات ! هل نستطيع ان نبني اقتصادا مستقلاً ذاتيا عن الاقتصاد الاسرائيلي ؟ هل نستطيع ان نقاطع تماما المؤسسات الاسرائيلية كما البضائع ؟ هل نستطيع ان ننتهج سياسة استهلاك عربية على الأقل بصفتنا نشكل اكثر من 30% من قوة الاستهلاك والشراء الاسرائيلية ؟ كلها مادة للتفكير !
نماذج نموذجية :
نموذج جنوب افريقيا :
لا يوجد في العالم حالات قومية او تحررية متطابقة 100% ، لكن هناك حالات تشابه كثيرة وكبيرة وناجحة من شأنها ان تشكل رافعة نموذجية لفهم الحالة ( الفريدة ) التي نواجهها مع استعمار استيطاني قام بطرد معظم شعب ارض فلسطين الأصلي ، الأمر الذي لم يفعله النظام العنصري الأبيض في جنوب افريقيا ، معللين هذه الخطوة بان هذه ارض اسرائيل وان الفلسطينيين هم غرباء ، وان الارض اصلاً خالية من السكان ، " فهي ارض بلا شعب ، واليهود شعب بلا ارض " ... وهكذا تم الاستناد الى اليهودية من قبل حركة استعمارية لتسويغ احتلال فلسطين وطرد شعبها .
مع ذلك فان النموذج الجنوب افريقي هو افضل ما تبقى لنا من نماذج لحل عادل وشامل للعرب واليهود ، مبني على اساس فصل الدين عن الدولة مع كل الضوابط والاسس المذكورة اعلاه ، نظام سياسي مشترك ممكن ان يتشكل في الدولة الواحدة الديمقراطية ، وذلك بعد ان نفقت واستنفذت حتى الآن كافة مشاريع التحرير والتسوية ... فالصوت لكل فرد كأساس ديمقراطي هو الافضل ، مبني على مباديء التعددية السياسيه ، الثقافية والاثنية المذكورة اعلاه .
نموذج تركيا :
برزت تركيا كنظام علماني مهم بشكل خاص ، بعد ان وصلت الى سدة الحكم هناك التيارات الاسلامية ، وبخاصة الحقبة الحالية التي يقودها اردوغان . فبغض النظر عن السياسات الخارجية الناجحة لأردوغان ، الا انه تمكن من العيش كنظام اسلامي رغم الدستور العلماني الصارم المنتهج في تركيا ، واعتقد انه نجح الى حد معين ، من الحد من تدخل الجيش ( المتأمرك عقائديا ) الذي يحمي الدستور العلماني في التدخل بالحياة السياسية والحياة الخاصة للناس ، خاصة بما يتعلق مثلا بزوج رئيس الجمهورية (كمقدمة ) التي تصر على اعتمار غطاء الرأس .. واذا ما زرت تركيا واختلطت بحياة الناس ، وجدت ان كل انسان يمارس عقيدته الدينية او العلمانية دون خوف او ضغط رسمي ، وهذا ينعكس على سلوكه الشخصي الفردي . برأيي ان منع الاكراه الديني مع ترافق لمنع الاكراه العلماني ، هو الوصفة المناسبة للعيش المشترك في نظام يقوم على اساس فصل الدين عن الدولة ؟ واذا ما حاول اردوغان اسلمة المجتمع التركي كرها ، فانه برأيي سيفشل وشيفشل معه نموذج العلمانية المبنية على اساس فصل الدين عن الدولة – الذي اوصل الحركة الاسلامية الى سدة الحكم . انه الاساس الذي يسمح بالتعددية السياسية والاثنية والثقافية ، نحن ربما سنكون بامس الحاجة اليه عندما نحقق مشروعنا الاستراتيجي ، خاصة وان مجتمع هذه الدولة سيتكون من مجموعات اثنية كبيرة ، متعددة ومؤثرة . ربما ليس هذا هو النموذج الأفضل ، لكنه مادة جيدة للتفكير لدى الحركات الاسلامية عندنا التي ترفض العلمانية ، ومادة جيدة للعلمانيين الذين يرون تيار اسلامي
في سدة حكم مبني على العلمانية !
نموذج كندا في اللغة والثقافة :
كندا مؤلّفة من مقاطعتين وليس من ولايتين ، واحدة غالبية سكانها يتحدثون ويتثقفون بالفرنسية ، واخرى بالانكليزية . يقيمون معا نظاما سياسيا توافقيا ، نظام يقود مجتمعا ينحدر الى مخلفات استيطان كولونيالي تنافسي – حتى يومنا هذا ، وجد الصيغة الافضل للعيش المشترك ليس على اساس سيطرة استعمارية لطرف على آخر ! مرة اخرى لا اظنه نموذجا ملائماً ،
لكنه مادة جيدة للدراسة والتعلم !
* اخيراً ، اتمنى ان اكون قد وفقت في طرح الاسئلة الصعبة والاجابة على ما يهمنا حاليا منها ، واتمنى ان اكون قد فتحت آفاقا للتفكير والدراسة لدى البعض الآخر . اتمنى ان اتلقى انتقادات جدية تهدف الى تطوير هذه المداخلة المكتوبة والاجتهادات المطروحة فيها ، لأنني اعتقد اننا امام مرحلة تحتم على الجميع التفاعل باتجاه حل الدولة الديمقراطية الواحدة ، ومن وجهة نظرنا مفضل ان تقوم على اساس فصل الدين عن الدولة مع معرفتي العميقة باشكالية تجاوز هذه المسألة لدى الحركات الاسلامية المناضلة منها تحديدا .