ثورة يوليو والحركة التي تحترم التاريخ
أ. علي عمر الأخضر
في لحظة الحقيقة ، يدرك الأبطال أن إغراء الواجب والانتقال من الفكر إلى العمل أمر يصبح ملحاً وضروريا حيث تسقط حجج الوهم وأنانية الإنسان الضائع المختوم ، بشمع اللامبالاة ، المدفون في دوامة الرضا بالواقع المقهور ، الإنسان المستنزف بالعقد الاجتماعي المزيف ، المرتهن بالخنوع مع ضيق الأفق والفكر ، حيث يضع . -الكثير - ثقته بالعاطفة والغرائز وفكرة الخرافة ، ويسلم نفسه طواعية لمناهج التطير الاسطوري ، وحلول (المثيولوجيا) وهي تصنع الأقدار خلف مغاليق أبواب (علي بابا) ومخيلات فرسان الصدفة والليل وخيال ألف ليلة وليلة ، وكنوز الكهنة وسحرة المعابد ، وللحقيقة فإن الأبطال يدركون أن هذا الإرث الذي جعل الوعي الجماعي أسير الخنث الأبوي والسلطة الخاصية المكبلة بالأكاذيب .
، والمعطل للأدلة العقلية والواقعية من أجل الاستخفاف بالشعوب ، وسرقة مقدراتها ومستقبلها ، لذلك - فالأبطال التاريخيون - يرفضون العيش في ظل هذا الواقع المخيف ولا يرضون بعقلية الجموع المتوهمة في اختصار الكون بتفاحة آدم أو عشبة جلجامش أو الأشعار العربية القادمة من رحم المجهول والمعلقات المبتورة ، وخرافات أرض الأولمب ، أو صياغات الأسطورة الديالكتيكية ، وشتى الهرطقات الماحقة لنظام العقل وتوازن الحواس والإدراك . ورغم أنه لا أحد ينكر إغراء الفطرة المقيدة بثقافة وجينات موروثة تدفع لعالم المسحورات المؤسسة لنظام الضمير والوجدان ، حيث يلثم الإنسان أيادي المخلصين المزعومين والآباء وحتى الغزاة ، ويبكي في لحظة اليتم الغريبة والوداع المصطنع على جلاديه ومحتليه ، وحتى على الذين أثخنوه طعناً وسجونا وتعذيبا وقتلاً وفساداً وخرابا وقد شاهدنا كيف استقبل بعضهم حاكم روما الفاشي واصطفوا له -ولو مكرهين- في
أحسن تبرير تاريخي للحدث ، إلا أن الأبطال يستشعرون - دائماً - خطورة أزمة الفكرة وشح الأيمان ، فتتحرك عبقريتهم الإنسانية وفائضها باتجاه الفعل الإنساني الخلاّق ، مثلما تحركت تلك العبقرية في صفوف ثوار 23يوليو حين انتفض الجيش المصري البطل ليزيح عن كاهل المحروسة ثقل السنين وأوجاعها ، ويعيد لمصر وجهها العربي المفقود المكبل بالأحلاف المفروضة والقواعد العسكرية والاحتلالات ، والسلالات المستجلبين من أصقاع أوروبا وزواياها المنسية .
لقد انتفض وثار الجيش المصري بقيادة الزعيم الراحل جمال عبدالناصر ابن الشعب ، وأسقط نظاماً ملكيا متهالكا كانت مصر تعاني تحت سلطته ويلات عدة ، أقلها المرض والتخلف وأكثرها الاحتلال المباشر وبينهما تقاتل الأحزاب كعادتها سعياً لنيل المناصب والمكاسب والحظوة ، فتحولت مصر بقوة الثورة إلى بؤرة للتحرر وقلعة للحرية ، وانتقلت مصر من صف أعداء الأمة إلى محاربين من أجل الأمة ، فشحذت الثورة الطاقات والجماهير والعقول وجندت الوعي ونشطته وزرعت العروبة الجديدة في أوصال الأجيال ، وبنت السد العالي ، وأممت قناة السويس ، وأعادت الأرض للفلاحين وواجهت الإقطاع المتغوّل ، وبنت المدارس والمستشفيات والمصانع الثقيلة ، وتبنت قضية الشعب الفلسطيني المشرد ، وواجهت العدو المتربص بالعرب واعتبرت قضية فلسطين هي أساس المشكلة مع أعداء الأمة العربية ، لذلك لم تكن ثورة يوليو مجرد عمل إنقلابي أزاح نظاما وجاء بآخر بل كانت عملاً تاريخيا مشحونا بالتحدي . ففي تلك اللحظات بات كل شيء ممكناً ، وصار المستقبل حاضراً أمام الأجيال العربية ، ولم يعد ثمة زمن إلا زمن الثورة . لقد كانت ثورة يوليو ومضة من ومضات الخلود بالمفهوم التاريخي ، فالثورة قد تكون خارج المعقول ، مثلما كانت ثورة يوليو خارج المعقول ، فمصر كانت تعج بالجيوش الإنجليزية والقواعد والاستيطان والاستثمارات الخطيرة . فقناة السويس تدار بشراكة فرنسية بريطانية ، والعصابات الصهيونية تقضم كل يوم جزءاً من أطراف ما تبقى من صحراء النقب وغزة الواقعتين تحت الإدارة المصرية ، والسودان التابع لمصر تتصارع فيه الأحزاب من أجل مصالحها ، والأمة العربية تعاني الأمرين جراء الاحتلالات والمظالم والاقتصاد المصري بئن ويكابد ، وهو التابع بكل المقاييس للنظام (البنكى) الغربي ، والمزارع مرهونة (للبنوك) والبطالة بلا عدد ، والملك يلهو في ملذاته ، وحاشيته تتسارع في تقديم الخراب وصناعة الدمار ، لكن الومضة التاريخية ، مزقت الواقع وأضاءت عتمة الليل وزرعت الطمأنينة في أوصال الأمة المرتهنة المغلوبة على أمرها ، فتردد صدى تلك الثورة التي أو قدت نار الحماسة ، وأشعلت فتيل العروبة مجدداً ، وأضرمت النار في كوم الضعف والهوان واليأس ، وأزاحت كابوساً أسود من فوق كاهل الأجيال العربية التي رأت في ثورة يوليو بارقة أمل في أوطان بلا أمل ولمست في مواقفها التحررية والعروبية ما جعل شموع الفعل تتوهج ، وأمواج العطاء تتدفق.
إن الأجيال يجب أن تعرف الدلالات النضالية لثورة يوليو ، وأن تدرك الإنجازات والأفعال والمعارك الكبرى التي خاضتها ، والمؤامرات التي حيكت ضدها ، والأعداء الذين تربصوا بها ، لكي تعرف وتفهم وتتواصل مع تاريخها وماضيها ، وتستلهم الدروس والعبر ، وتستنتج الخلاصات ، وتعرف الحقيقة .
إن حركة اللجان الثورية العظيمة التي أسسها القائد معمر القذافي ، والتي تدرك التاريخ ، وتقدر الأبطال ، وهي تتذكر مواقف ثورة يوليو الخالدة ، ومعاركها المشرّفة ، وتصدّيها الشجاع المكلف لأعداء الأمة العربية ، فإنها تحيي ذكرى ذلك اليوم التاريخي وتثمن نتائجه العربية والعالمية ، وتقدّر عالياً التضحيات الجسام التي قدمتها ثورة يوليو وزعيمها الراحل جمال عبدالناصر ، وتثمّن الدور الذي لعبته ثورة يوليو في إذكاء المد القومي في مفاصل الأمة ، وشعاراتها التي أزعجت أعداء الأمة ، وقضت مضاجع الحاقدين وأذناب المستعمرين . وحركة
اللجان الثورية التي تحترم التاريخ والتراكم المعرفي ، لما له من حصة مهمة في أسهم الحاضر ، حيث تفكيك الكثير من نصوص (المثيولوجيا) ، بأفكار الكتاب الأخصر منهج الحركة ، وشروحه ومحاضرات القائد ، وحواراته ولقاءاته وبفكرها المستنير الضارب جذوره في عمق الإنسان ، فتارة تراه في الهوميروسة والعودة إلى جزيرة كريت أرض " الإلياذة " والصدام والسيوف والقوة ، وتارة في الأوديسة والعودة والنصر والحكمة ، وتارة في افلاطون وسقراط وفلسفة البحث عن الصعب ، وتارة حين يمثلج العقل الإسلامي ليقود حدثه التعبوي عبر التذكير الدائم بأرض الرسالات السماوية الخالدة ، وحكمة التوحيد ، وتارة باستدعاء التاريخ ممثلاً في رموزه - مثلما نستذكر ثورة يوليو - لشحذ الهمم والانتصار على الاستعمار ، وتارة حين يقود فكرها الجماهير إلى الكراسي ويدفعهم لممارسة السيادة ويعلّمهم الديمقراطية الشعبية ، فإن حركة اللجان الثورية بهذا تكون وفيّة لمؤسسها وصانع مجدها ومفكرها ، ووفية للجماهير ولتاريخ الجماهير ، وحريصة على نقاء وعي الأجيال والمحافظة على عدم تشوهه، وتوثه والحيلولة دون استلابه وارتهانه .