حركة اللجان الثورية الفلسطينية > مقالات > حتى لا تباع الحرية في مزاد رخيص

حتى لا تباع الحرية في مزاد رخيص


1 نوفمبر 2008.
حتى لا تباع الحرية في مزاد رخيص
بقلم : مصطفى سالم التارقي


التضخم يعني أن ارتفاع الأسعار يكون أسرع وأكبر من ارتفاع الدخول ، إلا أن ارتفاع الدخول لايصل إلى كل الدخول بنفس السرعة ولابنفس النسبة ، وذلك لوجود أجور محددة أو شبه جامدة لايطرأ عليها أي ارتفاع في الدخل وبذلك نجد أن ارتفاع الأسعار يؤدي إلى فقدان النقود لوظيفتها كمعيار للقيمة لعدم ثبات الأسعار واستقرارها وعندها يشعر المجتمع بالقهر والحرمان ويفقد الثقة في النظام الاجتماعي الذي يؤدي إلى فساد أخلاقي وتوترات في الحياة الاجتماعية لانهيار القيم .
كما أن التهريب للعملة الأجنبية يزيد الأمر تعقيداً لوضعها في المصارف الخارجية وبذلك يكون التصدير هو عبارة عن تهريب عملة للخارج وبطرق غير مشروعة في الداخل لتحقيق أرباح ناتجة عن الفارق في سعر العملة .
فالتضخم قد يسبب مشكلة سياسية وليس اقتصادية فقط لأن الطلب الكلي أكبر من العرض الكلي فهذه تخلق هوة كبيرة وهي مسؤولة عن ارتفاع الأسعار وهي لاترجع فقط إلى أسباب محلية بقدر ماهي أسباب خارجية مثل عدم استقرار العملات الأجنبية في السوق وكذلك تدهور أسعار النفط والمواد الخام وارتفاع في أسعار الواردات غير المتوفرة محلياً أو التي لاتكفي حاجة المجتمع ، فالتجار يسلكون مسلكاً في غاية الخطورة على الاقتصاد المحلي من أجل الحصول على أكبر قدر ممكن من الأرباح لتهريبها إلى الخارج وهي في حقيقة الأمر لم تكن ناتجة عن التصدير للسلع بل هي لفارق العملة .فالتضخم على المدى الطويل يضر بالمجتمع بسبب المارقين الحذاق الجهلة الأنانيين فهم يسارعون إلى شراء الذهب والأراضي ومرد ذلك لعدم ثقتهم في تخزين العملة الأجنبية لخلق شكل آخر ظالم يكون على حساب الدخول الثابتة التي تخدم مصالح التجار والسماسرة مما يولد التوتر الاجتماعي ، ومن المؤسف له أن الجهلة يتركون لهم الأمر ويترك لهم الحبل على الغارب لتدمير الاقتصاد الوطني .
كما أن الذهب والعقارات والأراضي هي عبارة عن تجميع الأموال، والسؤال المهم ماهي السبل لتوفير حاجاتالمستقبل فارتفاع الأسعار لايقلل الاستهلاك ولا الطلب فهو يزيد من الاستهلاك على مضمون الادخار وهنا مكمن الانحراف وهو زيادة في الاستهلاك على حساب الادخار فالاستثمار الحقيقي هو الذي يجعل الأموال متحركة في مشاريع طويلة الأمد تؤتي نتائجها من خلال الاستثمار البشري وهو المهم دون النظر إلى الأرباح الآنية ، وكلما قل سعر الفائدة كلما كان الإقبال يعود بالتوازن الحقيقي لمنع الاستغلال فالربح هو محرك للعملية الاقتصادية وليس غاية في ذاته ولو نظرنا إلى الاستغلال لنراه يؤكد على الاستثمار قصير الأجل مثل الاتجاه إلى مردود المطاعم والمحلات التجارية والمقاهي فهي لاتحقق الغاية بل تكرس الاستغلال و تؤدي إلى تنامي أموال الطبقة المستغلة هذا على الصعيد تعامل الأفراد فقط .إلا أن التضخم يصل تأثيره إلى قطاعات الدولة الإدارية فهو يؤدي إلى إحداث خلل وعجز في الميزانية العامة ، وذلك لكون انفاق الدولة على المستلزمات السلعية والخدمية سوف يزيد ولذلك الدولة تجد نفسها مضطرة إلى ذلك وهوماينعكس في تدهور الأجور والمرتبات التي يتقاضاها العاملون في القطاع العام مما يقود الدولة إلى معالجات غير جذرية كالإعانات الاجتماعية تحت ضغط الحاجة الاجتماعية وهي ما يرتب زيادة على الانفاق العام ناهيك على مايرتب عليه أيضاً عدم تفهم مكمن المشكل الحقيقي مما يزيد من السخط الاجتماعي وعدم استقرار المجتمع وتظهر الانحرافات كازدياد معدل الجريمة مما تضطر أمامه الدولة من مواجهة ذلك عن طريق القمع ولذلك لم يكن التضخم مشكلة اقتصادية بل هو مشكلة سياسية أيضاً ، لأنه يؤثر في موارد الدولة السيادية مثل الضرائب والرسوم بصفة خاصة إذا ظلت وفق معدل ثابت والذي ينعكس سلباً على عجز الموازنة العامة ويزيد من المعانـــاة .فالتضخم يضر بميزان المدفوعات وارتفاع أسعار السلع المحلية والذي يشجع على استيراد السلع من الخارج إن كانت أسعارها أقل وتحسب الزيادة على حساب الإنتاج المحلي مما يعرض الصناعة المحلية إلى أخطار المنافسة مع المنتجات الخارجية مما يخلق حالة من البطالة تنقص من مستوى الدخل الوطني كما تضع صعوبات وعراقيل أمام الصادرات بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي وعدم قدرة المصدر المحلي ويكون إلغاء عبء التضخم على عاتق المستهلك الخارجي الذي يقود أيضاً إلى تدهور سعر الصرف للعملة المحلية بسبب زيادة على طلب الواردات ويبرز لذلك عجز في ميزان المدفوعات مما تتم معالجته عن طريق الصرف للعملات الأجنبية وقد يجر إلى الاستدانة عند استنزاف الاحتياطي وهو الواقع تحت طائلة مركز الاستغلال المتمثل في الصندوق الدولي وما يترتب عليه من فرض شروط وتنازلات ولو نظرنا بأكثر جدية إلى موضوع التضخم سوف نرى أن المشكل ليس اقتصادياً فقط بل هو في المقام الأول سياسي وأيديولوجي يكرس مفهوم الاستغلال بجميع أشكاله وأنواعه .كما أن وجود الهوة بين الطلب والعرض لاترجع فقط إلى أسباب محلية بقدر ما هي أسبابها خارجية كارتفاع أسعار الواردات ومستلزمات الإنتاج وكذلك التدهور في أسعار المواد الخام وتأثيرها على عدم استقرار العملات الأجنبية .فالبلدان النامية نجدها في حالة خوف مستمر مما يجعلها تنفق مدخراتها وإمكانياتها في مجالات دفاعية طابعها عسكري والتي تكون في الغالب على حساب احتياجات مواطنيها تحت هذا الوهم والذي سوف يقود إلى نتائج عكسية على نفسية المواطنين .
كما نشير هنا إلى تناقض واضح في الفكر الرأسمالي مثل أن الزيادة في الطلب تؤدي إلى زيادة الإنتاج باعتبار الطلب حافزاً للإنتاج فلماذا يتناقض هذا المذهب بأن الحد من الطلب يدل على زيادة الإنتاج فالذي حصل أن الإنتاج ظل ثابتاً ولكن زاد السعر وبالتالي لم يكن الإنتاج في متناول الجميع كما أن تحرير التجارة الخارجية يؤدي إلى التبعية فهو يزيد فياستيراد الكماليات على حساب الضروريات ويلحق الضرر بالعملة المحلية بتراكم هذا التضخم وهو يفرض على البلدان المديونة فهو ليس في صالحهم بل هو في صالح دائنيهم والدائنون يدركون صعوبة استعادة ديونهم كاملة وبذلك يطلبون تعويضاً عنها وفي الغالب تكون شراء مواقف وتنازلات سياسية .
كما أن بيع القطاع العام للخواص ليس علاجاً لحل مشكل التضخم بل هو ما يزيد المشكل تعقيداً لأن القطاع الخاص سوف يكون وريثاً للقطاع العام وهذا عندما تكون الملكية غير قائمة على الملكية الاشتراكية الطبيعية .
فالقطاع الخاص سوف يركز الأموال في يد مجموعة وهو مايعرف باسم الطبقة الرأسمالية وهذا لايحدث أي تغيير على الأفراد فهم أجراء في كلا الحالتين العامة أو الخاصة .وهذا يدل على عدم قدرة الدولة على حماية عملتها المحلية بسبب تأثير العملة الأجنبية مما يلجئها إلى بيع القطاع العام اعتقاداً منها أنه الحل في حين هو الهروب من المعالجة الحقيقية لموضوع التضخم ، وهذا هو حال الأنظمة التقليدية القائمة على الاستغلال ، ويلاحظ هذا بصورة خاصة على الدول النامية وقد وضعت نفسها في حالة شاذة وغريبة في نفس الوقت وهو وقوفها موقف المتفرج ويطلب منها عدم التدخل لما يملى عليها من قبل الدائنين فالتضخم يقود إلى عودة الاستعمار في شكل جديد بعد أن بيعت الحرية في مزاد رخيص لانعدام الأخلاق والقيم ويهدم التماسك الاجتماعي ، وتستنزف الثروات وتصبح الأمور في يد المقاولين والمضاربين وتجار العملة وسماسرة الأراضي والعقارات والوسطاء فكل هذه الفئات ومن على شاكلتهم حققوا أرباحاً ودخولاً هائلة على حساب الجموع فهم في صف المعارضين لمقاومة أية محاولة لوضع حد للتضخم بالضغط على الدولة لتترك لهم الحبل على الغارب بالإفساد .إلا أن مكافحة التضخم هي التي سوف تؤثر على مصالحهم وأرباحهم ودخولهم وهذا يتطلب اليقظة لمعالجة الغلاء والتضخم فعلى من يعنيهم الأمر أن يفيقوا من نومهم العميق وإلا اختلط عليهم الموت بالنوم وهكذا أحداث الساعة .تبرهن على أن الاستغلال ماض في تحقيق أغراضه على حساب الجموع وبدون أي استثناء فهناك من يعيشون تحت خط الفقر وفي صورة بشعة تستهدف الضعفاء كالأطفال الذين يموتون جوعاً لعدم قدرة أهليهم على توفير الغذاء اللازم للمحافظة على وجودهم في شكل الحد الأدنى للأمور فالطبقة الاستغلالية تتواجد في أي بلد وتلتقي مع مضمون الاستغلال وبدون أي تلاق منظم أو مرتب فعلى المجتمعات أن تنفض الغشاوة التي حجبت عنها الحقيقة وعلى الجماهير أن تفعّل دورها بشكل فاعل لأنها هي الضحية اليوم وغداً إذا لم تقم بدورها في الحياة فكل إنسان ملزم باتخاد القرار من خلال الأفكار الجماهيرية التي طرحتها النظرية العالمية الثالثة .