الصفحة الرئيسيةالكتاب الاخضرشروحات الكتابالاعمال الادبيةنشاطات الحركةالأرشيفاتصل بنا

اللجان الثورية الفلسطينية » وحدة الدراسات والأبحاث » نشأة السلطة " دراسة مقدمة لمؤتمر نحو رؤية جديدة لحق تقرير المصير في عالم يتقلب ولا يتغير "

  القائمة الرئيسية  
   
 
  التقويم  
 

«    فبراير 2012    »
 
1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11
12
13
14
15
16
17
18
19
20
21
22
23
24
25
26
27
28
29
 

 
 
  ارشيف الموقع  
 

 
 
  الأكثر زيارة  
  » المقاومة الليبية الباسلة رفاق الراحل معمر القذافي يتجهو ...
» الشهيد القائد معمر القذافي ثورة مستمرة وشهيدا لتستمر ال ...
» لكي لا ننسى
» الثائرون على نهج الشهيد القذافي يسيطرون بالكامل على مدي ...
» بيان حركة اللجان الثورية الفلسطينية بمناسبة ميلاد القائ ...
» خشية سيد قطب من 'إسلام أمريكاني': الأخوان إذ يتحولون ...
» عندما تصبح خيانة الأوطان وجهة نظر
» القذافي ولد في جهنم ومات في الجنة الخضراء
» حركة اللجان الثورية الفلسطينية تدعو لتأسيس حركة شعبية ف ...
» ما يسمى بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين اتحاد من اجل ا ...
 
 

نشأة السلطة " دراسة مقدمة لمؤتمر نحو رؤية جديدة لحق تقرير المصير في عالم يتقلب ولا يتغير "  
وحدة الدراسات والأبحاث
 
نشأة السلطة
دراسة مقدمة لمؤتمر نحو رؤية جديدة لحق تقرير المصير في عالم يتقلب ولا يتغير
نظمه الائتلاف الشعبي للديمقراطية المباشرة- فلسطين
عبد الستار قاسم

شغلت مسألة نشوء السلطة العديد من الفلاسفة والمفكرين عبر التاريخ ذلك لأن المعرفة بمكنوناتها تلقي ضوءا على أنماط العلاقات الطبيعية والاجتماعية والسياسية بين الناس، وتسهّل على المخططين فهم المنطلقات التي يمكن الاستناد إليها في السعي نحو التطوير في مختلف مجالات الحياة. انشغل الإغريق والرومان والصينيون بهذه المسألة، وأدلى فلاسفتهم وحكماؤهم باجتهاداتهم ضمن إطار رؤاهم الفلسفية لما يجب أن تتشكل وفقه المجتمعات الإنسانية. كان لكل فيلسوف أو حكيم رؤيته لدوافع الاجتماع سواء كانت طبيعية أو بحكم الضرورة، وعمل على توظيف هذه الرؤية كأرضية لمنطلقاته حول كيفية ترتيب مختلف العلاقات داخل المجتمع.

انشغل كذلك فلاسفة العصر الحديث بمسألة نشوء السلطة بسبب حالة عدم الاستقرار التي بدأت تواكب التحولات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات الأوروبية، والتي نجمت عن حركة الاستعمار، والحركة التجارية في أعالي البحار، والتمرد على الكنيسة، وانطلاق الثورة الصناعية. أدى عدم الاستقرار إلى حالات صراع واسعة، ودموية أحيانا، وكان لا بد من البحث عن حلول تؤدي إلى الاستقرار وإعادة الهدوء إلى حياة الناس. ركز العديد من الفلاسفة على حياة الطبيعة ونشوء الحياة المدنية ليضعوا أصابعهم على توجهات طبيعية في سلوك الإنسان، ومن ثم وضع الرؤية الفلسفية الصحيحة في ترتيب الحياة السياسية. الجدل حول نشوء السلطة، أو الحياة المدنية للناس ما زال قائما، وما زالت الاجتهادات متعددة على الرغم من خفوت أهميتها في البحث عن الحل الأمثل لحياة سياسية أو عامة هادئة متسمة بالرغبة في التقدم والبناء والتغيير التدريجي المتناسب مع الاحتياجات الإنسانية.

تهتم هذه الورقة في تتبع الفكر الإنساني الخاص بنشوء السلطة، وتحاول إجمال الرؤى الفلسفية حول هذه المسألة للخروج باستنتاجات قد تكون مفيدة في سعينا لتحسين الظروف الإنسانية ضمن علاقات عامة وخاصة ترتقي بالإنسان جماعات وأفرادا. وهي تعمل على فحص الفرضية التالية: ساهم البحث في نشوء السلطة في تحسين الظروف الإنسانية لأن الاجتهادات المختلفة ركزت على مشاكل عامة ميزت الظروف التاريخية التي صيغت فيها وسعت إلى حلها. أما المنهج المتبع فهو المنهج التاريخي التحليلي الذي يأتي باجتهادات عدة عبر حقب التاريخ، ويصنفها وفق منطلقاتها الطبيعية والاجتماعية، ويحلل دورها في تشعب الفكر الإنساني ورقيه، وتطوير تطبيقاته على أرض الواقع.

تنقسم هذه الورقة إلى:
أ‌-    النظرة الإغريقية لفكرة نشوء السلطة؛
ب‌-     نشوء السلطة في الفكر الديني، وفي فلسفة الأديان؛
ت‌-     الفكر الحديث وتطور الوعي الإنساني حول انبثاق السلطة؛
ث‌-     السلطة في الفكر المعاصر؛
ج‌-     تقييم جدلي للمقاربات التاريخية؛
ح‌-    استنتاجات.


السلطة والمجتمع في الفكر الإغريقي
رأى أهل الإغريق بأن المجتمعات تتكون نتيجة للتكاثر الطبيعي الناجم أساسا عن الميل الطبيعي بين الذكر والأنثى. الزوجية عبارة عن ظاهرة طبيعية خلقية، ولا مفر إلا من اجتماع الذكر والأنثى، والحتمية هي إنجاب الأطفال وتكوين الأسرة. الأسر تتكاثر أيضا وتبقى في الغالب متجاورة بدافع عاملين وهما: الحماية المتبادلة والاكتفاء. وبسبب التكاثر والتجمع تنشأ الحياة المدنية، والتي يتمخض عنها في النهاية عنوان لإدارة الشؤون العامة؛ هذا العنوان هو السلطة التي تنظم وتتدبر الأحوال العامة وتفض الخلافات وتضع قواعد للعلاقات.(1) أي أن المجتمع عبارة عن انبثاق لسلوكيات اقتضتها الطبيعة الإنسانية، والسلطة عبارة عن احتياج إنساني لجعل الحياة أكثر انتظاما ويسرا.

تعرض أفلاطون لمسألة النشوء وقال إن البداية كانت في أن القوي يحكم الضعيف، والكبير يحكم الصغير، والرجل يحكم المرأة، والسيد يحكم العبد. أي ان السلطة تقع بيد القوي، ذلك في المجتمعات التي لا يحكمها نظام تربوي يهذبها ويجعل من صناعة السلطة أمرا واعيا. وقد تعرض أفلاطون للمسألة التاريخية والاجتماعية على لسان عدد من الشخصيات الوهمية التي صنعها في كتابه الجمهورية. فمثلا، اعتبر على لسان ثراسيماكيوس أن الحق للقوة، وأن السلطة في النهاية بيد من يملك القوة.(2) القوي يفرض نفسه، ويبقى في السلطة حتى يظهر من هو أقوى منه. هكذا هو التاريخ، وهذه هي الحقيقة الواقعة.

لكن أفلاطون رأى أن السلطة الحقيقية العادلة يتم فرزها فقط من خلال برنامج تربوي يتعرف على قدرات الأفراد، فمن كان معدنه من حديد بقي في الأعمال اليدوية والحرفية، ومن كان معدنه من فضة ارتقى إلى الأعمال الإدارية، ومن كان معدنه من ذهب أصبح مسؤولا أو حاكما. الفرز يتم هنا بناء على القدرات التي يتم التثبت منها من خلال التربية والتعليم، ولا يتم تحديدها بناء على أسس وراثية أو تفويض غيبي. فإذا أراد شعب أو أمة خيرا بنفسه، عليه أن يعتمد على التربية والتعليم حتى لا يكون في الحكم جاهل أو قاصر أو ضعيف معرفة.

شرح أرسطو في كتابه رجل الدولة بأن المجتمع عبارة عن كائن عضوي كأي كائن عضوي آخر، وهو عبارة عن ترتيب طبيعي سابق على الفرد من ناحية الفكرة، على الرغم من أن الفرد أسبق من الناحية الجسمانية. لقد وجد الفرد لكي يكون عضوا في المجتمع، كما أن جذر الشجرة قد وجد ليكون جزءا من الشجرة. أعضاء المجتمع العضوي عبارة عن كل متكامل، وهي في اعتماد متبادل فيما بينها، ولا قيمة لأي منها بدون الكل. يستمد العضو معناه من الكل، والكل لا يعمل بطريقة صحيحة، وربما يموت، بدون أن يقوم كل عضو بعمله خير قيام.(3) المعنى أن نشوء المجتمع مبني أساسا في الفكرة التي أوجدته، وأن نشوءه عبارة عن حتمية لا مفر منها.

يضيف أرسطو بأن البحث عن الاكتفاء عبارة عن نعمة، وهو بحث هادف بالطبيعة لأنه يؤدي إلى تجمع الناس. إنه القوة الدافعة نحو تجمع الناس في مساكن متجاورة، وفي اعتمادهم المتبادل بعضهم على بعض، وبسببها تتشعب نشاطات الحياة وتتنوع، وتظهر عملية التخصص في الإنتاج. يقود هذا في النهاية إلى ضرورة ظهور سلطة تنظم أعمال الناس وعلاقاتهم، وهي أساس الدولة. أي أن السلطة عبارة عن ضرورة قد تتعدد أشكالها، لكنها تصب في النهاية في هدف واحد وهو خدمة الناس من ناحية تنظيم وتقنين شؤونهم العامة. وبمعنى آخر، الضرورة عبارة عن أمر طبيعي، وبالتالي فإن التجمع عبارة عن أمر طبيعي مما يؤدي حتما إلى الحياة المدنية.(4) أي أن الحياة المدنية مبنية في الدافع الطبيعي الذي يوجه سلوك الإنسان سواء شاء الإنسان أو لم يشأ، كان على وعي أو لم يكن.

وفق أرسطو، المجتمع المدني موجود منذ أن بدأ الناس بالتجمع في قرى ومدن، وهو مجتمع يفرز سلطته بصورة تلقائية فيظهر من ينظمون العلاقات بين الناس، وهم أنفسهم الذين يصبحون سلطة.(5) السلطة عبارة عن إفراز حتمي للتجمع، وأنماط العلاقات السائدة هي التي تعبر عن جوهرها.

تحدث أرسطو حول أنظمة الحكم المختلفة، ورأى أنه يفضل النظام المختلط، أي النظام الذي يجمع بين الملكية (حكم الفيلسوف) ومشاركة الشعب. لقد أيد أفلاطون من الناحية النظرية بأن حكم الملك الفيلسوف هو الأفضل، لكنه رأى أن التطبيق العملي للفكرة بعيد المنال، ومن الأفضل أن يكون هناك توازن بين العقل الراجع وعامة الشعب.(6) وأضاف بأن للشعب الحق في اختيار ممثليه الذين يساهمون في صناعة القرار والتنفيذ. هؤلاء الممثلون أقدر على فهم هموم ومشاكل الناس اليومية والحياتية من الملك الفيلسوف الذي يهتم عادة بالكليات على حساب الجزئيات.

لكن أهل الإغريق لم يغفلوا فكرة الآلهة، وأن هناك قوى كبيرة تسيطر على هذا الكون، وتعرف النواميس وتمثل المثل العليا السامية التي يجب أن يتحلى بها الإنسان. هم لم يؤمنوا بأن هناك من الناس من يحمل تفويضا من الآلهة ليحكم باسمها، لكن الإنسان قادر من خلال التأمل أن يتعرف على المثل العليا ويعمل على تطبيقها في المجتمعات. أي أن القواعد التي يجب أن تهتدي السلطة بهديها تأتي من المثل التي تمثلها الآلهة والتي هي الحقيقة المطلقة.

سلطة القوة
عدد لا بأس به من المفكرين وأساتذة السياسية يقولون بأن السلطة هي ابنة القوي. القوي هو الذي يقيم سلطة يسيطر فيها على الآخرين، ويوجههم بالطريقة التي تحلو له، ويجزيهم ويعاقبهم كما يرى مناسبا. القوي يملك إمكانات السيطرة، وهو القادر على إزالة كل العقبات والتحديات من أمامه، وهو يبقى صاحب سلطة حتى يجابهه قوي آخر فيهزمه ويأخذ مكانه.(7) إنهم يرون بأن القوة هي أساس السلطة، وأن النظام والأمن لا يتحققان إلا بالقوة، وإذا غابت القوة غاب النظام وسادت الفوضى.

وجهة النظر هذه تبدو أنها أقوى وجهات النظر بشأن قيام السلطة ذلك لأن الشواهد العملية التي يراها الإنسان العادي والمفكر تؤيدها وتعطيها زخما هائلا. ليس من الصعب أن يرى الإنسان العادي أن الثري محترم من قبل الناس أكثر من الفقية، وصاحب العضلات القوية مهاب أكثر من النحيف، والمرأة الجميلة مدللة أكثر من الأقل جمالا، والدولة التي تملك الصواريخ ذات مكانة عالمية أكثر من التي لا تملك، وصاحبة الاقتصاد القوي أو المال الوفير ذات شأن أكثر من غيرها، وهكذا. حتى أن العديد من الناس يرون في الديمقراطية حاضنة للأقوياء الذين يملكون المال ووسائل الإعلام.

هؤلاء يدحضون فكرة الأخلاق كأساس للسلطة، ولا يتبنون فكرة اجتماع الناس وفق إراداتهم الحرة للاتفاق على إقامة سلطة يقبلونها جميعا وتحقق لهم مصالحهم. إنهم يرون أن القوة هي التي أخرجت الإنسان من حياة الطبيعة، حياة القرار الفردي، ووضعته على طريق الحياة المدنية التي أخذت تتسم بقرارات مركزية. هم يرون بأن الفوضى أخذت تسود بعد أن كثر الناس وأخذوا يتجمعون في تجمعات سكانية، ولم يكن بالإمكان تنظيم الأمور إلا من خلال قوي يظهر بدافع الحرص على حياته وممتلكاته ومصالحه، وقاد الناس نحو طاعة أمره. القوي هو الذي أخذ يضع القوانين، ويقرر الخير والشر، والصواب والخطأ.(8) ولم يجد الناس إلا الانقياد لأن الخطر الذي يتهددهم في حياة الطبيعة أقوى وأشد من الخطر الذي يمثله جبروت القوي. أي أن الناس يفضلون الظلم المنظم على عدم الأمن في حياة الفوضى.

هكذا قال فيلسوف أفلاطون ثراسيماكيوس الذي رأى بأن القوي هو الذي يتحكم بالناس بغض النظر عن أي معايير إنسانية وأخلاقية، وهو الذي يختار في النهاية فيما إذا كان سيلتزم بمعايير أخلاقية أم لا. وعلى ذات النمط كتب الفيلسوف الإنكليزي هوبز الذي قال بأن الناس يسأمون حياة الفوضى والخوف المستمر، وبسبب عقلانيتهم يقررون تسليم أمرهم لقوي ينظم شؤونهم بالطريقة التي يراها مناسبة مقابل المحافظة على حياتهم. أي أن الناس يدخلون في عقد ضمني أو صريح مع القوي، يوكلون فيه إليه أمرهم مقابل تعهده هو بتوفير الأمن لهم والمحافظة على حياتهم.(9) فقط يمكن أن ينفرط هذا العقد إذا لم يعد القوي قادرا على الوفاء بالشرط، فيظهر قوي غيره.

في الوقت المعاصر، تتبنى الولايات المتحدة نظرية القوة على الساحة الدولية، وترى أن الأمم تسود من خلال القوة، ولا تتحقق مصالحها إلا إذا كانت قوية. ويعتبر هانز مورجينثاو وهنري كيسنجر من أبرز المنظرين لنظرية القوة.(10) ولهذا حرصت أمريكا على تطوير قدراتها العلمية والتقنية والعسكرية والاقتصادية حتى تكون قادرة على الهيمنة وبسط النفوذ في مختلف أنحاء الكرة الأرضية. ومن الملاحظ أن أمريكا تحاول استعمال الدبلوماسية أحيانا كنوع من التورية، وهي في الغالب تفرض الأمور فرضا من خلال الترغيب والترهيب.

انسجاما مع فلسفة القوة، يضيف ميكافيللي بعدا واعيا لهذه القوة من خلال مبدأ الغاية تبرر الوسيلة والذي يبرر الخداع والكذب والتضليل من أجل إطالة أمد الحكم. رأى ميكافيللي أن القوة ضرورية من أجل إقامة السلطة، لكن القوة السافرة وحدها لا تكفي، بل يجب على الحاكم القيام بالأعمال التي ترفع من شعبيته وتعزز من مكانته بين الناس مثل التمسك بالدين بالظاهر حتى يعطي انطباعا أنه متدين، والتضحية بالمعاونين من أجل إرضاء الناس إذا أحس منهم ضجرا، وصناعة الوهم حول بساطته وقلبه الواسع الذي يتسع للفقراء والمساكين. إنما على الحاكم أن يكون جاهزا دائما لاستعمال القوة إذا تطلب الأمر ذلك، وعليه أن يعطي بناء الجيش والمؤسسة الأمنية أولوية خاصة.

سلطة المنافع
ترتكز هذه السلطة على مبدأ المنفعة الذي يُفترض أنه يحكم سلوك الناس، وهو مبدأ معكوس لمبدأ القوة، أي أن الناس يطوعون أنفسهم لمصالحهم، ولكل من يظنون أنه ينفعهم. سلطة القوة تقوم على عمل مباشر من صاحب القوة لإخضاع الناس، أما في هذه السلطة فإن الناس يبحثون عن مصالحهم، ومن أجلها لا يهتمون بمسألة السيادة أو الاستقلال بالرأي.

من الفلاسفة من قالوا بأن فكرة الخير والشر لا تحمل مفهوما أخلاقيا عاما، وإنما مفهوما أخلاقيا ذاتيا، وأن السلوك خيّر إذا نجم عنه منفعة، وشر إذا نجم عنه ضرر، والناس يفرحون لما ينفعهم، ويتألمون لما يضرهم. أي أن كل فرد يقرر باستقلالية عن الآخرين ما يضره وما ينفعه، وهو يتصرف بعد ذلك وفق تقديره الذاتي.(11) ويضيف هؤلاء بأن البحث عن قيم أخلاقية كونية أو عالمية أو عامة عبارة عن مضيعة للوقت، وأن ترتيب الأمور السياسية ومجمل شؤون الناس وفق ذلك يؤدي إلى متاهات تلحق الضرر بالجميع، ومن الحكمة أن يتم ترتيب الأوضاع العامة وفق الواقع الذي يعبر عن حقيقة الناس، أو حقيقة اتخاذهم للقرار.

الواقع يقول إن الناس يتصرفون وفق أهوائهم، وقلة قليلة جدا ربما تتصرف تبعا لمبادئ وأسس عامة، وإذا كان للدولة أن تعترف بالواقع فإنها تستطيع كسب تأييد الناس واستحسانهم. واضح من هذا الطرح أن السلطة حقيقة عبارة عن مؤسسة لتسهيل البحث عن المصالح، ولتجنيب الناس المشاكل والهموم الناجمة عن تضارب المنافع. السلطة لا تقرر ما هو المفيد وما هو غير المفيد، والأمر متروك لكل فرد ليقرر، وبذلك يتكيف كل فرد مع مختلف المتطلبات الموجودة ويحاول بقدر الإمكان تجنب التضارب الذي يمكن أن يلحق به الضرر.(12)

بناء على هذه الرؤية، من الممكن أن السلطة قد تولدت من خلال تقديم منافع للناس من قبل من هو قادر على ذلك. فمثلا، من المحتمل أن رجلا قويا قد ظهر وكان قادرا على مواجهة خطر الحيوانات المفترسة، فدأب الناس على الاستنجاد به مع كل خطر افتراسي واجههم، فأصبح زعيمهم من خلال هذه المنفعة. ومن الواضح أيضا أنه من الممكن لأي شخص أو جهة تملك المال الوفير أن تسيطر على الناس وتحكمهم لأنها قادرة على تلبية حاجاتهم المعيشية. الناس يصفقون لمن يقدم لهم الطعام، أو يعينهم في تلبية متطلباتهم أو يقدم لهم الأجور والرواتب، ولديهم الاستعداد للانحناء من أجل ما ينفعهم.

الاختيار الحر
ربما يكون جون لوك هو الأبرز في تبني نظرية الاختيار الحر العاقل. يقول لوك بأن حياة الطبيعة كانت تتسم بالهدوء والسلام ذلك لأن الإنسان خير بالطبيعة ولا يعتدي. إنما بسبب ازدياد أعداد الناس وظهور التجمعات بدأت تظهر بعض الفوضى لأن المصالح تشعبت وتعددت. أي أن ارتفاع عدد السكان أدى إلى ظهور مصالح اقتصادية وسكنية وملكية عديدة أدى إلى بعض الفوضى وانتهاك سلم حياة الطبيعة.

افترض لوك أن الناس مسالمون وعقلانيون ولم تدفعهم الفوضى الناجمة عن تضارب المصالح إلى الاقتتال، وإنما إلى التفكير بما يجب عمله من أجل تفادي الأضرار الناجمة وتحقيق حياة هادئة.(13) لقد فكروا معا، وتوصلوا إلى نتيجة بأن عليهم أن يختاروا من بينهم من يمارس السلطة بالنيابة عنهم تحقيقا لمصالحهم وذلك من خلال آلية الانتخاب.

وجد الناس، وفق لوك، أن الانتخابات هي الآلية الأسلم لاختيار من يمارس السلطة، وأن الأغلبية هي المخولة بالقيام بذلك دون الطغيان على الأقلية. رأى الفيلسوف بأن إجماع الناس على رأي واحد فقط غير ممكن، بل ومستحيل، وأن الأخذ برأي الأغلبية هو الطريق الأقصر نحو حل مشكلة السلطة. الأغلبية تبقى في السلطة ما دامت أغلبية، وللأقلية أن تبقى نشطة وتعمل على إقناع الآخرين برأيها عساها تصبح أغلبية.(14) تحترم الأغلبية حق الأقلية في النشاط بين الناس وتوجيه الانتقادات والاعتراضات، وتحترم الأقلية القانون الذي تضعه الأغلبية من أجل أن يبقى النظام والأمن سائدين.

وبسبب عقلانيتهم، رأى الناس ضرورة فصل السلطات وذلك من أجل الحرص على عدم ظهور الاستبداد والطغيان. السلطة في الدولة، وفق لوك، تنقسم إلى سلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية، وكل واحدة تمارس السلطة بطريقة تراقب فيها السلطتين الأخرتين، وتصحح مسارها إن اعوجت. جميع هذه السلطات تعمل على المحافظة على الحق الطبيعي للإنسان في الحياة والتقدم، وتحترم الملكيات الخاصة على أنها مقدسة لا يجوز المساس بها.

هذه النظرية تؤكد على مشاركة الأفراد في السلطة منذ البدء، وتؤكد على أن الإنسان مخلوق بالطبيعة مسالما متعاونا يحب الخير لنفسه وللآخرين، وأن السلطة لا تقوم عليه وإنما من خلاله.

تعتنق الدول الديمقراطية الغربية هذا الرأي، وتعتبر جون لوك أحد أعمدتها الفلسفية. إنها ترى، كما رأى لوك، بأن الأحداث التاريخية استمرت في التفاعل إلى أن استقرت عند الديمقراطية التي يعتبرونها النظام الأفضل عبر التاريخ.(15) لقد جرب الناس في مختلف أنحاء العالم أنواعا متعددة من السلطات، لكن الصراع استمر، واستمر نزيف الدماء والشقاء، إلى أن وصل التفاعل التاريخي إلى منتهاه وهو دولة الديمقراطية. المعنى أن هناك جدلا تاريخيا قاد حتما إلى النهاية، وهي نهاية غير ناجمة عن قرار إلهي أو عن سلطة فوقية، إنما عن تجارب الناس في حياتهم اليومية.

الإرادة الجماعية
اختلف جان جاك روسو مع الفلاسفة وقال بأن السلطة نشأت تجسيدا لإرادة جماعية معبرة عن إرادة حرة للناس جميعا. اتفق مع لوك بأن الإنسان ليس عدوانيا، وإنما خير بالطبيعة، وأنه أصر على كامل حريته التي تمتع بها في الطبيعة بعدما ظهرت الحياة المدنية.

قال روسو بأن الإنسان عقلاني، ويتوصل إلى اتخاذ قرارات بصورة عقلانية، واستطاع المحافظة على حريته الطبيعية في الحياة المدنية.(16) قال بأن الناس اجتمعوا للتداول في إقامة سلطة تحافظ على حريتهم وعلى أمنهم وتقدمهم، فوجدوا أن أفضل وسيلة هي أن يتنازل كل فرد عن حريته للآخرين، فيكون ذلك بمثابة عدم تنازل البتة. فلو افترضنا أن المجتمع يتكون من عشرة أشخاص، وتنازل كل واحد منهم عن حريته للآخرين فيكون نصيب كل واحد بمن فيهم هو عُشْرا. يحتفظ كل واحد منهم بعشر حريته، ويحصل من الآخرين على تسعة أعشار، مما يشكل واحدا صحيحا. أي أن الفرد لا يخسر في النهاية أي شيء من حريته الطبيعية، لكنه يكسب التعاون مع الآخرين.

في الوقت المعاصر، تشكل فكرة الرئيس القذافي الجماهيرية تعبيرا عن هذه الإرادة الجماعية. يقول القذافي إن الشعب يحكم نفسه بنفسه من خلال مشاركة الأفراد المباشرة، وقام بإنشاء اللجان الشعبية التي يمارس من خلالها الأفراد الحكم المباشر سواء من ناحية التخطيط أو اتخاذ القرار أو التنفيذ.

المشكلة في هذا الطرح هو أن التطبيق العملي صعب جدا ولا مفر في النهاية من وجود أجسام تمثيلية تعبر عن جموع الناس. هذا الأسلوب في الممارسة المباشرة للحكم يتطلب مجتمعات صغيرة جدا لا تتجاوز العشرات، أما عندما يكثر الناس وتصبح أعدادهم بالملايين فإن مسألة اتخاذ القرار تصبح صعبة المنال من خلال المشاركة المباشرة المعبرة عن إرادة حرة.

من الناحية النظرية، المشاركة المباشرة أفضل تعبيرا عن إرادة الفرد من التمثيل لأن كل فرد يدلي برأيه ويشارك، لكن من الناحية العملية تبقى المسألة صعبة جدا، وتستهلك الجهد والوقت، وربما بلا طائل. مثل هذا الأسلوب يفترض الإجماع، وهذا افتراض لا حيز جدي له في الحياة العملية.

البيعة
الحاكمية في الإسلام نظريا لله سبحانه وتعالى، لكن ممارسة السلطة الدنيوية تتطلب اجتهادا دنيويا، وهناك قضايا يومية واستراتيجية كثيرة تطرأ ولا بد من معالجتها بعقول بشرية. ولهذا نص الإسلام على وجود الأمة، ومن ثم انبثقت الدولة لتكون آلية إدارة شؤون الأمة. الأمة هي التي تجتمع على هدف ومقصد وفق منهجية واضحة، والدولة عبارة عن أداة تستعملها الأمة من أجل الوصول إلى المبتغى.(17)

هناك سلطة في الدولة، وواضح وفق نصوص القرآن الكريم بأن الوالي أو الخليفة يحتاج إلى بيعة المسلمين لكي يمارس صلاحياته وفق التعاليم السماوية. لا تُعقد المسؤولية إلا ببيعة والتي لم يوضح الإسلام الشكل الذي تتم فيه، وترك المسألة لاجتهاد المسلمين وفق الزمان والمكان. البيعة عبارة عن تعبير عن تأييد المسلمين لشخص معين ليتولى أعلى مناصب المسؤولية في الدولة، وهي عبارة عن تخويل له وفق قواعد وضوابط معينة، وهي بالتالي تعبير عن إرادة الذين يقدرون ظروفهم ومصالحهم وما هو الأنسب لهم.(18) وهي بيعة مستمرة ما دام الناس راضين عن أداء المبايع. بمعنى أن السلطة تنبع من الناس أصلا، وهم مشاركون مباشرون في الاختيار، ومسؤولون عن الرقابة وتقييم الأداء.

الحاكم في الإسلام ليس مفوضا إلهيا، ولا هو معصوم من الخطأ. إنه من الناس وللناس، ومن الممكن أن يخطئ، او أن يرتكب خطيئة. وهو ليس ممثلا لمؤسسة دينية أو لرجال دين، وإنما ممثل للناس جميعا بمن فيهم غير المسمين. له في الدنيا مثلما له في الآخرة، وعليه أن يسهر على دنيا الناس مثلما يسهر على آخرتهم؛ وإذا قصر في عمله أو عجز يتعرض للإقالة والاستبدال.

السلطة الدينية
أقوام وشعوب كثيرة آمنت بأن هناك في هذا الكون قوة أو قوى عظيمة غير مرئية تتحكم به وتسيره وفق إرادتها، وأن قوة الإنسان تتضاءل أمامها، بل ولا تستطيع عمل شيء دون رضاها ومباركتها. آمن كثير من الناس بأن الإنسان ضعيف جدا، وإرادته مسلوبة أمام إرادة تمارسها القوى العظمى. فالفراعنة مثلا آمنوا بأن هناك آلهة، وجعلوا من فرعون نفسه أحيانا إلها، وآمنوا بحياة  آخرة  بعد الممات. وكذلك فعل أهل الإغريق والرومان الذين قالوا بتعدد الآلهة وذلك وفق تعدد الظواهر الطبيعية الخارقة التي كانت تصادفهم. فكان هناك إله للشمس، وآخر للحياة، وثالث للحصاد. لكن أهل الإغريق واليونان لم يقيما سلطة دينية، وبقيت السلطة ضمن أبعاد أرضية تتباين منطلقاتها المادية والمحسوسة.

لكن التفكير بالآلهة بدأ يأخذ منحى ممنهجا بعد ظهور الديانات السماوية، وبالتحديد بعد ظهور الديانة اليهودية  والتي أتت بتعاليم مباشرة من السماء عبر أنبياء ورسل. بدأت بهذا فكرة التوحيد تتبلور على اعتبار أن هناك إلها واحدا فقط لهذا الكون، وهو مطلق الحكمة والعظمة والإحاطة بكل شيء في الكون، وبدأت تظهر سلطة الرسول أو النبي على اعتبار أنه صاحب الرسالة، أو هو الذي يتلقى التعليمات مباشرة من الله الواحد الأحد.(19)

اكتسب النبي أو الرسول شرعية بسبب اتصاله المباشر مع الوحي الذي يمثل إرادة الله، والذي آمن به كل من تبع الرسول أو النبي. أي أن الشرعية أصبح مصدرها الإيمان بالرسالة والتعاليم، وأن النبي عبارة عن ناطق باسم الحقيقة الإلهية المطلقة، وكل تعاليمه ملزمة لمجتمع المؤمنين. وفي حال غياب الرسول والنبي، انتقلت الشرعية إلى رجال الدين الذين حملوا لواء المحافظة على مجتمع المؤمنين من خلال الاستمرار في تطبيق التعاليم والشرائع السماوية.(20) وبسبب غياب الوحي، أصبح رجال الدين أصحاب السلطة في شرح التعاليم وفي تطبيقها على أرض الواقع، وأصبحوا رموزا للخير والبركة وتماسك الأمة والإلتزام.

اختلفت الديانات السماوية في مكانة رجال الدين، أو أولئك أصحاب المعرفة الدينية والمتخصصين، فمنها من أقام مؤسسة دينية يشرف عليها ويديرها رجال دين متفرغين مثل المسيحية واليهودية، ومنها من أقام مؤسسات تعليمية دينية ومدارس لا ترتقي إلى مهمة احتكار الدين مثل الإسلام. ولهذا ظهرت في العالم المسيحي نظم دينية متعددة تعتمد فكرة التفويض الإلهي، وأصبح البابا أو من يمثله رمز الهيمنة والسلطة، ومصدر الفتوى الدينية، ومصدر الإلهام الديني والعقاب. أما لدى اليهود، فسيطر الحكماء (الحاخامات) على ترتيب المجتمع متسلحين بالكتاب الموجود بين أيديهم الآن والذين يقولون عنه إنه التوراة، وأصبحوا مصدر السلطات أو إضفاء الشرعية عليها.

في الإسلام وعلى الرغم من أن مؤسسة رجال الدين غير موجودة، إلا أنه تطور لدى الشيعة فكرة ولاية الفقيه الذي يتمتع بشبه تفويض إلهي مشابه للتفويض المسيحي، وتطور لدى أهل السنة مؤسسة دينية لا تحظى بإجماع برعاية السلطان بهدف إضفاء الشرعية على الحكم، والإفتاء بصواب القرارت والسياسات التي يتخذها الحاكم. بقيت هذه السلطة الدينية ذات نفوذ كبير حتى الآن، لكنها الآن تواجه تحديا كبيرا من تنظيمات وأحزاب إسلامية عدة، ومن مفكرين ومثقفين أخذوا يتناولون الفكر الديني بمنهجية علمية.

في كل الأحوال، شكل الدين مصدرا للسلطات، وما زال له تأثير كبير حتى الآن في صياغة الخطط والقرارت لدى المسلمين واليهود والمسيحيين. أنظمة الحكم القائمة تتأثر كثيرا برأي رجال الدين أو المؤسسة الدينية لأنها تريد أن تستجمع حولها أكبر تأييد ممكن. ومن الملاحظ أن العديد من قادة الدول التي يسود فيها دين سماوي يؤدون بعض الشعائر الدينية أمام عدسات التلفاز، والعديد منهم يستنجد بنصوص دينية في خطاباته السياسية وتصريحاته.

السلطة الدينية سدت فراغا تاريخيا لدى الناس، وما زالت وذلك بسبب عقلنة فكرة القوى الخارجية المسيطرة على الكون والتي تتفوق إرادتها على كل الإرادات الإنسانية. لقد انشغل الناس في كل أنحاء الكرة الأرضية عبر التاريخ بفكرة القوى الخارجية الغيبية غير المرئية والتي تتحكم بمصائر الناس والظواهر الطبيعية، وأدى ذلك إلى تعدد الآلهة وتباين الاجتهادات، وربما إلى خلافات كثيرة، لكن فكرة التوحيد أتت لتقضي على التعدد، ولتجمع الناس على إيمان بإله واحد أحد. قضت الديانة السماوية على الكثير من الأوهام الغيبية، وأتت للإنسان بشرائع واضحة، وبقصص تاريخية تثير الاعتبار، وبتشريعات تنظم الحياة، وبتفسيرات عديدة حول ظواهر كثيرة. لكن مسألة الشرعية بقيت مرتبطة بالإيمان، وحيثما انتفى الإيمان انتفت الشرعية.



سلطة التخويل
يمكن أن تنشأ سلطة كنتوء لسلطة أقوى قادرة على السيطرة والتحكم، وهي تبقى تابعة للسلطة الأصل، ويبقى وجودها مرتبطا برغبة الذي أنشأها. يقوم شخص قوي بتخويل سلطاته لشخص آخر ليس بذات القوة، لكن هذا الشخص الآخر باق بسيف القوة أو برضاه، وهو يؤثر على الآخرين ويحصل على طاعتهم أو تعاونهم من خلال معرفتهم بأنه مخول من سلطة أقوى. هذا أمر يحصل في دول كثيرة من حيث أن الإمبراطور أو الملك أو الحاكم يخول شخصا أو مجموعة أشخاص في إدارة مقاطعة معينة من البلاد أو محافظة. هذا الشخص يحصل على دعم مالي وعسكري وأمني من الأصل، ويبقى مستمرا في ممارسة صلاحياته المخولة ما دام الأصل موافقا على الاستمرار. أو من الممكن أن يحصل شيخ قبيلة على تخويل من قوة مستعمرة أو محتلة على ممارسة صلاحيات إدارية تهم الشؤون اليومية للناس، ويستمر بأداء مهامه بفعل هيبة القوة الأكبر.

جميع الصلاحيات التي تتمتع بها الجهة المخولة هي صلاحيات مخولة أو ممنوحة وليست أصيلة. هي ليست صلاحيات مكتسبة، ولا متحققة ذاتيا، وإنما مرتبطة مباشرة بإرادة ورغبة القوي، ولذلك يمكن استرجاعها بسهولة ويسر ومنحها لجهة أخرى أو الاحتفاظ بها من قبل القوي.(21) إنها ليست مكتسبة لأنه لم يتم العمل عليها من أجل انتزاعها، ويتطلب المحافظة عليها الإذعان للمانح والطاعة وتلبية متطلباته.

السلطة الفلسطينية في الأرض المحتلة/67 عبارة عن سلطة ممنوحة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وهي سلطة تحت الاختبار، ويتم توسيعها وتوسيع صلاحيات القائمين عليها كلما أثبتت أنها تلتزم بشروط ومتطلبات الاحتلال. وقد كان هذا الأمر واضحا تماما في اتفاقية طابا التي قسمت الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق: "أ" "ب" و "ج". قالت الاتفاقية إنه يكون للسلطة حق الإشراف الإداري والأمني على مناطق "أ"، وإنه يتم توسيع هذه المناطق بعدما يتم التحقق من ممارسات السلطة الأمنية، وكلما نجحت بمقاومة ما يسمى بالإرهاب يتم إعطاؤها المزيد. وقد لاحظنا أنه عندما قدرت إسرائيل أن السلطة الفلسطينية عاجزة، ولم تقم بالدور الأمني المطلوب منها، قامت باجتياح الضفة الغربية عام 2002، وعادت تمارس نشاطات أمنية كما كانت قبل قيام السلطة الفلسطينية. ولاحظنا أيضا أنه عندما بدأت السلطة تتقدم في ملاحقة ما يسمى بالإرهاب والإرهابيين الفلسطينيين، وتوظف المزيد من الطاقات في هذا الاتجاه، عملت إسرائيل على تقليص نشاطاتها الأمنية في الضفة الغربية.

في هذا التخويل بالذات، إسرائيل لا يهمها النشاطات الإدارية المتعلقة بإدارة شؤون الشعب الفلسطيني المدنية واليومية، وإنما يهمها المسألة الأمنية فقط. هي تخول صلاحيات مقابل قيام الفلسطينيين بالدفاع عن الأمن الإسرائيلي والسهر عليه. وقد اندفعت الولايات المتحدة نحو تدريب الفلسطينيين حول النواحي الأمنية من أجل رفع قدراتهم، ومن أجل أن توافق إسرائيل على منح الفلسطينيين المزيد من الصلاحيات التي قد تؤدي في النهاية إلى حل الصراع العربي- الإسرائيلي.

السلطة الممنوحة أو المخولة لا تعبر عن إرادة من يمارسها وإنما عن إرادة من يمنحها، وهي ليست سلطة ناشئة عن وعي من يقبل المنحة، وإنما عن وعي من يعطي المنحة، ولهذا لا ينطبق عليها التحليل التاريخي الخاص بكيفية نشوء السلطة. إنها سلطة تستمد وجودها ممن أوجدها الذي يعتبر أصيلا في إقامة سلطة.

المجتمع المدني المعاصر
لا يناقش منظرو السياسة في الوقت المعاصر مسألة نشوء السلطة على اعتبار أنها مسألة استنفذت البحث والاجتهادات، وأن المهم هو كيفية ترتيب المجتمعات مع وجود سلطة. إنهم يركزون على الحقيقة القائمة وهي أن السلطة موجودة، وأن على الإنسان البحث في تلك السلطة التي تقيم مجتمعا مدنيا، أو مواطنة حقيقية تفتح الأبواب أمام المشاركة والتفاعل والمساهمة في مختلف الأعمال العامة.

يتم التركيز الآن على فكرة المجتمع المدني، ويحاول عدد كبير من المفكرين ربط هذا المجتمع بالديمقراطية، والقول إن المجتمع المدني لا يتحقق إلا بالديمقراطية، وإن غابت غاب المجتمع المدني.(22) هم يرون بأن الديمقراطية أساس المواطنة، ولا بد من توفرها إذا كنا نريد إقامة مجتمع المواطنين ذلك لأنها توفر الحرية للأفراد والجماعات، وتفتح المجال للمشاركة والتخطيط والتنفيذ. ويجادلون بأن المجتمعات جربت أنظمة سياسية عديدة عبر التاريخ، لكنها جميعها أخفقت في تحقيق الأمن والاستقرار واستمرت الصراعات التي كلفت الإنسان أثمانا باهظة.

الديمقراطية بالنسبة لهؤلاء هي نهاية المطاف، وأن الصراع التاريخي قد انتهى حيث يجب أن ينتهي، أي عند النقطة التي يرتفع فيها الجور عن الناس، يحصل كل فرد على حقه تلقائيا أو من خلال قضاء عادل يقوم على قوانين يتم تطبيقها على الجميع بالتساوي. الديمقراطية هي نهاية التاريخ، ولا يوجد بعدها نظام يمكن أن يعمر طويلا، أو يجنب الناس آفات الصراع، وعلى الناس العاقلين الباحثين عن السلم والأمن والتقدم أن يقيموا سلطة وفق المبادئ الديمقراطية.(23)

هذه الجدلية تبدو سياسية في كثير من الأحيان أكثر من كونها فكرية؛ بمعنى أن هناك دولا مهتمة بالترويج لنظامها السياسي الذي تقول عنه إنه الأفضل عبر التاريخ وعلى رأسها الولايات المتحدة. أقامت الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا الكثير من المنظمات والجمعيات في مختلف أنحاء العالم من أجل الترويج للديمقراطية، وحاولت الضغط على دول عديدة لتبني القيم الديمقراطية. لكن اتضح من خلال الممارسة العملية أن أصحاب الديمقراطية يستعملون الفكرة من أجل تحقيق مصالح، وإذا أتت الديمقراطية بحكام لا ينالون الثقة والمحبة الغربية فإنه يتم التضحية بالمبدأ لحساب المصلحة. هذا ما حصل في الجزائر بعدما فاز الإسلاميون بالانتخابات، وفي فلسطين بعد فوز حركة حماس. حتى أن أصحاب الديمقراطية يغضون الطرف عن قوانين انتخابات غير عادلة في دول تدور في فلكهم، ولا يتحدثون عن التزوير الانتخابي الذي يمارسه حكام كثر في العالم. هم فقط ينادون بالديمقراطية في الدول التي تخالفهم الرأي، ويجندون كل وسائل إعلامهم لفضح ممارسات التزوير والتلاعب في الدول التي يرونها غير صديقة.

ثم أنه ليس من العدل حصر المجتمع المدني في الأنظمة السياسية الديمقراطية. المجتمع المدني موجود منذ أن بدأ الناس يتجمعون في بؤر سكانية، ووجدوا أنه لا مجال أمامهم سوى تنظيم حياتهم اليومية والمعيشية. بدأت الحياة المدنية مع نشوء القرى والمدن، ومع حاجة الناس بعضهم لبعض. هناك أنواع متعددة من المجتمعات المدنية، ولا نستطيع الحصر في نوع واحد فقط.


سلطة الاستبداد
هل من القسوة القول إن التاريخ هو تاريخ الاستبداد حتى لو تخللته بعض أجواء الحرية أحيانا؟ مرت على الإنسان فترات استرخاء ورحمة، ومارس حكام قليلون حكما لينا واستقطبوا قلوب الناس، وعملوا على معالجة هموم الجمهور والسهر على مصالحهم مثل بعض مراحل الدولة الرومانية، ومرحلة الخلفاء الراشدين الإسلامية، لكن هذا ليس هو السمة الغالبة للتاريخ. التاريخ زاخر بالحكام القمعيين الطغاة الذين أذاقوا شعوبهم مر العذاب، ونهبوا ثرواتهم، واستغلوا مواردهم، واستحيوا نساءهم، وسخروا طاقاتهم لأهداف ذاتية.(24) التاريخ شاهد قوي على ظلم السلطات بغض النظر عن أنواعها وطريقة نشوئها واستمرارها، وهو شاهد على الدماء النازفة التي لم يراع الحكام فيها إلا ولا ذمة.

حتى أن الديمقراطية التي يتم الترويج لها بقوة الآن لا تخلو من النزعات الاستبدادية. تعاني الديمقراطية كثيرا من هيمنة رأس المال وسطوة وسائل الإعلام، ومن الملاحظ أن أغلب الذين يخوضون الانتخابات في الدول الديمقراطية يأتون من خلفيات اقتصادية مقتدرة، أما الفقراء فلا يقوون على خوض الانتخابات بسبب تكاليف الحملة الانتخابية. أما وسائل الإعلام التي تبث للناس المعلومات فمملوكة لأصحاب الثروة وأصدقائهم، وهم الذين يقررون ماذا يُبث للناس وماذا يُحجب.

حتى أن الذين يروجون للديمقراطية من أصحاب الجمعيات والمنظمات غير الحكومية يمارسون الطغيان في كثير من الأحيان، ومؤسساتهم الديمقراطية تفتقر إلى الديمقراطية. هناك تذمر واسع من استبداد مدراء هذه المؤسسات على اعتبار أنهم يمالئون أصحابهم، وينحازون لمن يشاطرهم الرأي، ويفضلون المطواعين الذين ينفذون بدون أن يتساءلوا.

وإذا قيمنا سيرة السلطة عبر التاريخ، فإننا نستنتج أن القوة هي أساس السلطة وليس الأخلاق الحميدة، ولا الرحمة بالناس والشفقة عليهم. القوي هو السلطان، وهو إلى حد كبير الذي يقرر، وهو الذي يمنح والذي يحرم، وهو الذي يسمح والذي يمنع. إنه يراعي مشاركة الآخرين أحيانا ليس بسبب طيبة القلب وإنما خشية استعداء كل الناس فينهار سلطانه. هذا القوي هو الذي يضع القانون، ويطالب الجميع بالالتزام ببنوده، وعندما يصطدم القانون بمصالحه، فإنه يتجاوزه او يعدله وفق إرادته ورغباته، وصدق من قال إن القانون يعكس مصلحة القوي.














الهوامش

1-    Mulford Sibley. Political Ideas and Ideologies, London: Harper and Row, 1970, pp 54-57.
2-    Ernest Barker. Greek Political Theory, London: University Paperbooks, 1961, p 77.
3-    عبد الستار قاسم. الفلسفة السياسية التقليدية (أفلاطون وأرسطو)، المطبعة الأردنية، 1979، ص 127.
4-    Barker, Op. Cit. pp. 93-95.
5-    Aristotle. Ethics, c. XII.
6-    W D Ross. Aristotle, London: Methuen, 1949,  P 259.
7-    Mechiavelli. Draft of a Letter to Pier Sordreni quoted in Ettore Janni, p. 212.
8-    Hobbes. Leviathan, I, 14.
9-    Hobbes. De Cive, II, 5,8.
10-    Henry Kissinger. en.wikiquote.org/wiki/Henry_Kissinger -
11-    Hume. Treatise on Human Nature, Bk II, Part III, Section I.
12-    C Bougle and H. Moyset. Eds. La Philosophie de la Pauverte, Paris: M. Revierre, 52.
13-    Locke. Second Treatise on Civil Government, Bk II. Ch. 6.
14-    Locke. Essay on Man, Epistle III.
15-    Sibley. Op. Cit. p 388.
16-    Rousseau. Social Contract, II.4.
17-    عبد الستار قاسم، حرية الفرد والجماعة في الإسلام، الخليل: دار المستقبل، 1998، ص ص 95-97.
18-    إبراهيم الكيلاني، هشام سعيد، صالح هندي، دراسات في الفكر العربي الإسلامي، ط3، 1991، ص 208.
19-    التوراة التي بين أيدي اليهود الآن، سفر الخروج.
20-    هذا واضح في كتابات أتباع سيدنا عيسى مثل متى ويوحنا وبطرس، وأتباع سيدنا محمد مثل البخاري ومسلم  ومفسري القرأن الكريم.
21-    أمثلة على ذلك كثيرة مثل السلطات المخولة للبلديات والمجالس القروية من قبل الحكومة وفق الدستور؛ والسلطة الممنوحة للمبعوثين والسفراء.
22-    Andrew Kuchins. “Russian Democracy and Civil Society”, Feb 8, 2006. www.carnegieendowment.org/publications/index.cfm?fa=view... –
23-    Francis Fukuyama. “The End of History and the last Man”, 1992. www.marxists.org/reference/subject/.../us/fukuyama.htm -
24-    هناك العديد من الأعمال التي تتوقف عند هذه المسألة. أنظر مثلا: www.amazon.com/Tyranny-History-Chinas.../0140146776 -


مواضيع مشابهة:

  • الدكتاتوريـــــــة
  • الديمقراطية ( سلطة الشعب )
  • الدستور
  • فساد فكرة النيابة في ممارسة الحقوق السياسية
  • الحــــــزب
  •  

      ملاحظة  
     

    لمراسلتنا يرجى استخدام البريد الالكتروني التالي :

    hanthola@gmail.com

     
     
      استطلاع الرأي العام  
     

    هل تتوقع قيام حرب جديدة على :

    ايران
    سوريا
    غزة
    لبنان

     
     
      دخول الاعضاء  
     

    الأسم‎:
    كلمة المرور:
     

     
     
      الاحصائيات  
     

    المقالات:
      هذه الساعه: 0
      اليوم: 0
      هذا الشهر: 10
      الاجمالي: 578


    الاعضاء:
      المسجلين اليوم :50
      هذه الساعه:1
      هذا الشهر:1466
      الاجمالي:6752
      الموقوفين:0


    اليوم: 2636
    امس: 4658
    الاجمالي: 1934622

     
     
      مواقع صديقة  
     

    » حركة اللجان الثورية - الجماهيرية الليبية
    » موقع اسراطين
    » موقع 17 فبراير
    » حركة اللجان الثورية الارترية
    » حركة اللجان الثورية الموريتانية
    » القذافي يتحدث
    » مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية
    » المركز العالمي لدراسات الكاتب الاخضر
    » اوربت للتصميم وخدمات الانترنت

     
     الرئيسية  | خارطة الموقع | اتصل بنا

    كافة الحقوق محفوظة - حركة اللجان الثورية الفلسطينية 2010

    تصميم : أوربت للتصميم وخدمات الانترنت .

    تطوير : SmartDesigner .