هو العلم الوصفى الذى يبحث فى قوانين الحركة الاجتماعية وتطورها . اى هو حركة سير اجتماعية لمجموعة بشرية ، تعاقبت مكوناتها ، وحلقاتها ووحداتها ، من البسيط المحدود كالاسرة مثلا ، الى المجموعة الاكبر منها عددا كالقبيلة ، الى الامة المظلة السياسية والاجتماعية للفرد و الاسرة والقبيلة . فالرابطة الاجتماعية التي تربط الفرد بالاسرة ، والاسرة بالقبيلة ، والقبيلة بالامة ، هى اسا حركة التاريخ ، وهى الحقيقة التاريخية الثابتة فى عالم الانسان . كذلك الصراع الاجتماعى بين امة وامة اخرى ، او قبيلة ومجموعة قبائل اخرى ، هو الاساس الاخر لحركة التاريخ البشرى ، فالعامل الاجتماعى هو الذى يحرك الجماعات البشرية ، وهذه الحركة ما يترتب عليها من تبدل فى المعتقد ، والموقع والوظيفة هى جوهر التاريخ ذاته .
وفى الواقع فان حركات التحرر القومى فى العصور التاريخية المختلفة ، هى نفسها الحركات الاجتماعية التاريخية ، ولن تنتهى هذه الحركات حتى تتحرر كل جماعة من سيطرة جماعة اخرى ومن تحكمها ، فالرابطة الاجتماعية هى مقوم الجماعة وسر بقائها ، ودافعها من اجل تاكيد ذاتها .
ان العالم الان يمر باحدى دورات التاريخ العادية ، وهى الصراع القومى انتصارا للرابطة القومية التي تعمل تلقائيا على دفع القوم الواحد نحو البقاء مثلما تعمل جاذبية الشى على بقائه متمسكا حول النواة . هناك اذن علاقة مباشرة بين الفرد والمجتمع ، وهى علاقة كيان وصيرورة ، لا من الناحية المادية فقط ، وانما من النواحى الاخرى المعنوية والفكريو والدينة ايضا . وتعليل ذلك ان مصالح الجماعات المترابطة اجتماعيا ، سواء كانت اسرية ، او قبلية ، او قومية ، لا تتحدد بالمصالح المادية وحدها ، وانما تتحدد بالثقافة المشتركة واللغة الواحدة ، والتاريخ المشترك والمعتقد الواحد .
ان منهج النظرية الجماهيرية فى تفسير التاريخ ، هو منهج جدلى ، ياخذ بالنظرية الشمولية الموضوعية لحركة الانسان فى تفاعلها وترابطها مع مصالح انسان اخر ... فلا تاريخ لفرد معين او لواقعة مجردة ، وانما تاريخ الفرد_ كالبطل مثلا _ هو تاريخ القضية التي ضحى من اجلها . فان لم تكن هناك قضية اجتماعية ، فلا بطل ولا تاريخ . فالفرد بحد ذاته ، وبدون قضية اجتماعية لا يصنع التاريخ ، لان الفرد بلا اسرة لا معنى ولا حياة اجتماعية له . والواقعة المجردة التي لا تتعلق بمصير جماعة قومية ، لا تشكل واقعة تاريخية بالمعنى الصحيح للكلمة .
ولا شك ان علاقة الانسان مع غيره فى اطار الانتماء القومى والمصير والمشترك ، والنشاط الاجتماعى من اجل اشباع الحاجات المادية والروحية ، هى التي تصنع التاريخ . وكلما تكاملت عوامل التطور الاجتماعى للجماعة الواحدة ، كان الانتقال من وضع او حال اجتماعى الى وضع اخر ارقى وايسر من غير المرور بوضع متوسط بينهما . بمعنى انه من الممكن لمجتمع اقطاعى او راسمالى الانتقال الى المجتمع الجماهيرى الاشتراكى دون المرور بالضرورة بالمراحل الاخرى التي تحتم بعض النظريات الاجتماعية المرور بها .
والنظرية الجماهيرية وان كانت تركز على العامل الاجتماعى باعتباره المحرك الحقيقى للتاريخ الانسانى ، الا انها لا تنكر دور العوامل الاخرى وتاثيرها فى سير التاريخ وتفسيره . فالعامل الدينى ، مثلا ، يلعب دوره الفعال فى الحركة التاريخية الى جانب العامل الاجتماعى بل وينسجم معه تماما . فكثيرا ما تنشب نزاعات داخل الجماعة القومية الواحدة وليس من حل لها الا الانسجام مع القاعدة الطبيعية التي هو : ( لكل امة دين ) ، حتى ينطبق العامل الاجتماعى مع العامل الدينى فيحصل الانسجام وتستقر حياة الجماعات وتقوى وتنمو نمو سليما .
وكثيرا ما قامت دول تضم قوميات متعددة لا رابطة بينها سوى رابطة الدين ، فكان الدين عاملا اساسيا فى تكوينها .
ويشهد العالم فى عصر ما ، تلك الدولة او الامبراطورية ليراها قد اختفت فى عصر اخر . فعندما تظهر الروح القومية اقوى من الروح الدينية ، وعندما يشتد الصراع بين القوميات المختلفة التي يجمعها دين واحد مثلا ، تستقل كل امة ، راجعة الى تكوينها الاجتماعى فتختفى تلك الامبراطورية .. ثم ياتى الدور الدينى مرة اخرى عندما تظهر الروح الدينية اقوى من الروح القومية فتتحد القوميات المختلفة تحت علم الدين الواحد حتى ياتى الدور القومى مرة اخرى ... وهكذا .
وللعامل الاقتصادى دوره ايضا فى حياة المجتمعات وتقلب احوالها . والنظرية الجماهيرية تعترف بهذا الدور ايضا ، فكون هذه المجتمعات قد اصبحت اقتصاديا مجتمعات متميزة بالاستغلال مثلا فلان الفرد _ او غيره _ قد استحوذ على اكثر من حاجته من الثروة .. وتلك هى ظاهرة الخروج على القاعدة الطبيعية وبداية الفساد والانحراف فى حياة الجماعة البشرية ... بمعنى ان المجتمع الذى ينتقل من وضع اشتراكى الى وضع استغلالى بسبب استحواذ بعض الافراد على ثروة تزيد على حاجتهم فيحرم الاخرون منها ، يكون قد تاثر تاثيرا عميقا بعوامل اقتصاديا جعلته يطبع علاقاته بطابع استغلالى .
ونشوة الدولة قد يتحقق بعوامل ليست اجتماعية ، لان الدولة نظام سياسى واقتصادى اصطناعى واحيانا عسكرى فكون العوامل السياسية والاقتصادية والعسكرية كيفت مجاميع من السشر فى دولة فهذا هو شذوذ عن القاعدة الطبيعية ...