هي حركات الجماهيرية ، أي الجماعية ، أي حركة الجماعة من أجل نفسها ، من أجل استقلالها عن الجماعة أخري ليست جماعتها . ولما كان لكل جماعة منها تكوين اجتماعي يربطها بنفسها ، كانت حركات التاريخ حرمات استقلالية لتحقيق الذات للجماعة القومية المغلوبة أو المظلومة من طرف جماعة أخرى إذ أن الجماعة الواحدة بحكم تكوينها الطبيعي الواحد ، لها حاجات اجتماعية واحدة تحتاج إشباعاً بحالة جماعية كالحقوق أو الغابات الاجتماعية لقوم معينين ترابطهم رابطة اجتماعية .
فحركات التحرير القومي هي حركات جماعية أو اجتماعية ولا تنتهي هذه الحركـــات إلا بتحرر الأمم من سيطرة أمم أخري مهيمنة عليها . والحركات الجماعية تكون عادة مرتبطة بروابط مميزة ، تجعلها منصهرة في بوتقة واحدة ، تستند في ترابطها إلى عوامل متعددة ، أهمها عاملا الدين والقومية اللذان هما المحركان الحقيقيان للتاريخ . فالعامل القومي يعمل تلقائياً علي دفع جماعة معينة في إطار دين معين تؤمن به الانسجام ، والاستقرار ، والنمو ، فتشكل الدولة القومية المستندة في الغالب إلى دين تؤمن به تلك الجماعة فيتلازم هذان العاملان المحركان للتاريخ في إنشاء دولة قومية قوية .
ولعل الأحداث التاريخية أكبر شاهد علي أهمية تشكيل الحركات الجماعية من خلال هذين العاملين ، ألا وهما الدين والقومية . فسكان الجريرة العربية لم يبقوا منظوين في جريرتهم علي كر الأزمان ولكنهم كانوا ينزحون منها في موجات بشرية متتالية إلى خارجها . إلا أن أهم موجة تدفقت منها وكان لها أثرها البالغ في صناعة الحضارة والتقدم هي تلك التي خرجت منها بعد ظهور الإسلام . وقد امتازت تلك الموجة عن سابقاتها ببقائها متصلة بمنبعها الأصلي من الوجهتين المنادية والمعنوية .
إن القاعدة الطبيعية تتمثل في اعتناق أي قوم لدين معين يعتقدون بمبادئه ، ويؤمنون بتعاليمه ، ويطبقون شعائرهم ، فينسجم العامل الديني مع العامل القومي ويؤديان إلى تكوين موحدة قوية .
وعامل الوحدة قانون طبيعي ثابت ، وهذه الوحدة لا تشكل في الغالب إلا باجتماع عاملي الدين والقومية . وكل تجاهل لهما هو شذوذ كان سبباً حقيقياً في نشوب النزاعات داخل الجماعة القومية الواحدة . وليس هناك من حل جذري سوى الانسجام مع القاعدة الطبيعية التي تنص علي أن لكل أمة ديناً ـ فيندمج العامل الاجتماعي مع العامل الديني ويتطابقان ليزول الشذوذ ويتم الانسجام وتستقر بذلك حياة الجماعات وتنمواً طبيعياً سليماً .