هي تلك القوي المضادة لحركة التاريخ والعاملة على عرقلة سيره ، منعاً لتقدم البشرية وتطورها لأنها تري في ذلك تهديداً لوجودها ولمصالحها وتتمثل الرجعية في الهياكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية القائمة على الاستغـــــلال والهيمنة والاحتكار .
ففي المجتمعات التي تسيطر عليها القوى الرجعية تتركز السلطة والثروة في يد الفرد أو الحزب أو الطبقة أو الطائفة أو القبيلة ويغيب الشعب عــــن السلطـة (راجع الديمقراطية) .
كما تبرز التوجهات الرجعية في الجانب الاقتصادي بتلك النظم والقوانين المعتمدة على الاستغلال والتي تحد من قدرات الإنسان وتكبل إمكاناته في الإبداع وعلي الأخص من خلال :
* التمسك بمبدأ الملكية المستغلة مما يؤدي إلى تكدس الثروة في أيدي قلة من أفراد الشعب وحرمان الأكثرية .
* الاعتماد على مبدأ المنافسة غير المتكافئة والمستندة إلى القوانين الظالمة التي ينتج عنها أنانية مفرطة وصراع اجتماعي يؤدي إلى اختلال البنية الطبيعية للمجتمع وبالتالي بروز التناقضات بين أفراد المجتمع الواحد فالغني يزداد غني والفقير يزداد بؤساً وفقرا
* الاعتماد على النظام الأجور الذى يجرد العامل من أي حق في الإنتاج الذي ينتجه سواء كان هذا الإنتاج لحساب المجتمع أو لحساب منشأه خاصة . . . فالعمل مقابل أجرة علاوة على كونه عبودية للإنسان هو عمل بدون بواعث على العمل وتسخير إنسان لإشباع حاجات إنسان آخر وتحقيق ادخار زائد عن الحاجة على حساب جهد الآخرين فهو عين الاستغلال (راجع الاشتراكية ، الشركاء) .
ولما كان الهدف النهائي للقوى الرجعية هو الوصول إلى السلطة التي تمكنها من امتلاك الثروة لذلك فإنها تلجأ إلى سد الطريق أمام الجماهير صاحبة الحق في امتلاك وذلك بطمس الحقائق عنها وتغفيلها وتجهيلها لزعزعة العلاقات الاجتماعية وباستغلال الدين وتشويهه لأنه والعامل الاجتماعي هما المحركان الرئيسان للتاريخ سلباً أو إيجاباً . ومن هذا المنطلق فإن القوى الرجعية تعتمد في توجهاتها على عرقلة مسيرة التاريخ ومنع تطوره من خلال تكييفها لهذين المحركيـــــــــن (العامل الاجتماعي والدين ) بما يوافق أهدافها ويطمس الحقائق والمعالم الاجتماعية المضيئة التي توفر للإنسان المناخ الملائم لانطلاقته الحرة نحو التقدم .
ففي الجانب الاجتماعي تحافظ الرجعية على الواقع الاجتماعي المتخلف وترسخه كعامل شد إلى الوراء وتبرر استمراره هذه التوجهات :
* تحذير النظام القبلي والعشائري وإقحام التكوينات الاجتماعية الطبيعية كالأسرة والقبيلة في تكوين الدول ، وذلك على حساب التكوين الاجتماعي الغام في مستواه القومي مما يؤدي إلى قيام كيانات سياسية قزمية ضيقة تضعف الأمة الواحدة ، فتفقدها قوتها وهيبتها وترابطها الطبيعي .
* قبولها بظاهرة الرق بما ظلم واستعباد وامتهان لكرامة الإنسان وآدميته وهذا ما ترفضه كل النواميس الطبيعية والأعراف والشرائع السماوية سواء كان ذلك في شكله التقليدي ، المتعارف عليه والذي تتمثل أبشع صوره فيبيع الإنسان في سوق الرقيق ، أو كان في أشكاله الحديثة المغلفة بغلاف من الديمقراطية الزائفة التي نجيز التمييز العنصري وتبيح للجنس الأبيض استغلال الجنس الأسود والتحكم فيه ، أو تبيح للإنسان ، أن يتخذ من إنسان آخر خادماً له في منزله أو مزرعته أو مؤسسته التجارية أو الصناعية أو غير ذلك ، فقد آن للإنسان أن يتخلص من كل أشكال الرق والعبودية والاستغلال ليرد اعتباره إليه وليشعر بحقيقته الإنسانية وبكرامته ، مما هو حق طبيعي ومقدس له . . .
* حرمان المرأة من الحقوق التي يتمتع بها الرجل ووضع التشريعات والقوانين الرجعية التي تكبلها وتقيد حريتها ، فالمرأة إنسان والرجل إنسان ليس في ذلك خلاف ولاشك ، والرجل والمرأة متساويان إنسانياً بداهة ، وأن التفريق بينهما ظلم صارخ ليس له مبرر . كما أن الاستغناء عن دور المرأة الطبيعي هو بداية الاستغناء عن دور المرأة الطبيعي هو بداية الاستغناء عن المجتمع الإنساني . ونتيجة للقوانين الرجعية الظالمة التي أدت إلى تحكم الرجل ، فإن المرأة التي تمثل تصف سكان العالم مازالت نعاني من القهر والاضطهاد ، ذلك أن المجتمعات ينظر إليها باعتبارها متاعاً ، والغرب ينظر إليها باعتبارها ليست أنثي .
وهكذا أصبحنا نعيش في عالم ملئ بالتناقضات ؛ ففي الوقت الذي ترفع فيه شعارات حرية المرأة ومساواتها بالرجل وتعقد من أجل ذلك مؤتمرات وتشكل اتحادات منظمات نسائية فإنها ما زالت تتعرض لأبشع أنواع القهر والاستغلال وصل في مداه اللاإنساني إلى ما هو أحط من الرق البشري حيث تستأجر أنوثتها في محلات دعارة رسمية مرخصة . وجاء الكتاب الأخضر ليضع المرأة في مكانها الطبيعي الصحيح مؤكداً على إنسانيتها ومساواتها بالرجل في كل ما هو إنساني .
* ظاهرة التعلم الإجباري : التعليم الإجباري ظاهرة رجعية لأنه أحد الأساليب القامعة للحرية . . . إنه طمس إجباري لاختياراته . فالحرية هي الفلسفة التي ينبغي أن يقوم عليها أي نظام تعليمي بمؤسساته ومناهجه وطرق التدريس فيه والأبنية والتجهيزات وأن تكون الحرية هي رائد المعلم والطالب وكل ما له علاقة بالعملية التعليمية . فتحل الحرية القهر والانطلاق محل الكبت ، فالحرية هي أن يتعلم كل إنسان المعرفة لا تناسبه وتقوده إلى عمل لا يناسبه .
إن أساليب التعليم السائدة في العالم يجب أن تحطمها ثورة ثقافية عالمية تحرر عقلية الإنسان من مناهج التعصب والتكييف القسري لذوق الإنسان ومفاهيمه وعقليته . أما الدين فيعتبر المحور الذي ترتكز عليه القوي الرجعية وتنطلق منه نحو مختلف الاتجاهات السلبية في تحقيق مصالحها وذلك بترسيخ المفاهيم الخاطئة واستغلاله في الأعراض السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، فهي تحاول جاهدة احتكار الدين للتمكن من تكييفه وتفسيره وفق توجهاتها ، مستغلة قدسيته في تحقيق مآربها حيث نصبت نفسها وصية تطمس ما لا يتوافق مع توجهاتها وتظهر وتفسر ما يخدم مصالحها وبهذا تكون قد انحرفت عن حقيقة الدين وخلطت عمداً بين الأمور الروحية وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان . . وهكذا فالمجتمعات التي تمنع معرفة الدين على حقيقته هي مجتمعات رجعية متعصبة للجهل معادية للحرية . . . والمجتمعات التي تشوه دين الغير وحضارة الغير في حالة تقديمها كمعرفة لنفسها هي كذلك مجتمعات متعصبة رجعية معادية للحرية .